⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما ينفعنا، وانفعنا بما علمتنا، إنك أنت العليم الحكيم.
الجواب: نعم، حادثة هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة إلى المدينة المنورة هي علامة فارقة في تاريخ الإنسانية جمعاء، لا يقتصر أثرها ونفعها على أهل الإسلام خاصة؛ لأنها كانت تغييرًا جوهريًا في سير حركة الإنسان في هذه الحياة دينيًا ومعرفيًا وفكريًا وحضاريًا، نعم دون أي مبالغة.
ولا ينبغي للمسلمين اليوم أن يقللوا من أهمية هذا الحدث في تاريخهم وفي تاريخ الإنسانية؛ لأنها نقلت الإنسان مما كان عليه من انطماس نور الوحي، والبعد عن هدايات السماء، ومراشد الوحي، ومن الاستبداد والظلم والبغي، ومن هيمنة الجاهلية والجهل والأوثان والأصنام والطاغوت، إلى أنوار الوحي، وإلى هدايات السماء، نعم، وإلى استشراف بناء جديد لهذا الإنسان تكتمل فيه مقومات بناء شخصية متزنة معتدلة روحيًا ودينيًا ومعرفيًا وفكريًا وثقافيًا.
ودليل ذلك أنه يمكن لنا –لإثبات صحة ما تقدم ومن باب المجادلة– أن نختزل هذا الحدث من تاريخ الإنسانية لننظر ما الذي كان يمكن أن يحصل في مسيرة الإنسان لو لم تحصل حادثة الهجرة، نعم؛ فلا ريب أن معالم الحق كانت ستنطمس، وأن أنوار العلم الذي جاء بها هذا الدين كانت ستُبدَّل، وأن الهيمنة كانت ستكون للظلم والطغيان وقوة السلطة بعيدًا عن العدل والحق والتآخي بالمفهوم الإنساني.
فإذا يمكن لنا أن نتصور ما كان يمكن أن يكون عليه حال هذه الإنسانية لو جردنا حركة الحياة من هذا الحدث الكبير، نعم سنجد أن التداعيات لا حصر لها، وأن الإنسان سيكون هو الضحية، وأن حضارات كانت ستؤول إلى الزوال والتلاشي، نعم.
وإثبات ذلك أيضًا يمكن أن يكون مما يمكن أن نفصل فيه، لكن إجمالاً بما حصل بعد هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ فهناك ثلاثة معالم أرسَاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته بعد أن استقر به المقام في مهجره صلى الله عليه وسلم في المدينة المنورة:
أولها: المسجد، نعم، وهو القلب النابض في مجتمع المسلمين، وهذا المسجد كان مصدر إشعاع ونور وحياة في مجتمعهم، كما أنه كان سببًا لبعث تمسك أهل الملل الأخرى وعودتهم إلى مللهم وأديانهم، نعم؛ فلم يكن مجرد انبعاث إسلامي ديني فقط، وإنما كان انبعاثًا دينيًا روحيًا إنسانيًا عالميًا، نعم؛ لأن الكل أخذ يتطلع إلى ما حصل في هذا المجتمع: كيف بنفر لا يزيد عددهم عن 1500 –نعم، ففي رواية عند الشيخين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم من بعد الهجرة بعد أن استقر به المقام قال لهم: احصوا من في المدينة من أهل الإسلام، فما زاد عددهم –كما هو عند البخاري ومسلم– عن 1500– ما شاء الله– لما هذا الإحصاء؟ كثير من الناس لا يذكره. ولِمَ يبني رسول الله صلى الله عليه وسلم مسجدًا في قباء ثم يصلي الجمعة في طريقه إلى حيث بركت ناقته القصواء، وأسس مسجده عليه الصلاة والسلام؟ لِمَ هذه العناية بالمسجد وبمعرفة عدد المسلمين؟ نعم؛ لأنه يراد تأسيس مجتمع ليكون نواة لدولة، وهذا المجتمع لا بد له من قلب نابض، وقلبه النابض هو حيث مهوى الأفئدة، حيث تلتقي الأرواح، وتتساوى مختلف الأجناس، وتذوب العصبيات، وتزول العرقيات، ويقف الناس سواسية أمام الله تبارك وتعالى، ويتبصرون فيها حقيقة هذه الحياة الدنيا، وحقيقة أماناتهم فيها، والمنقلب الذي يؤولون إليه، ومسؤولياتهم في هذه الأرض من حيث عمارتها، وبعث الرحمة والهدى والرشد للناس كافة، هذا هو المعلم الأول.
المعلم الثاني: أُصرة الأخوة الإيمانية، المؤاخاة التي كانت بين المهاجرين والأنصار، نعم، هي من أبرز المعالم التي ينبغي للدارسين اليوم –وكثير من المجتمعات تمزقها الأَيْن والفتن، وتستبد بها النظرات الضيقة، نعم، وتتملكها المصالح الشخصية– كل هذه المجتمعات جديرة أن تعول فتدرس مجتمع المدينة المنورة عقب هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمين إليها عليه الصلاة والسلام: كيف تغيرت نفوسهم؟ كيف إن الأنصار أنفسهم بعد ما كانوا في حروب طاحنة، فلما لامس الإيمان شغاف قلوبهم صاروا صفًا واحدًا، وإذا بهم –رغم ضعف ما في أيديهم– يؤثرون إخوانهم المهاجرين على أنفسهم، نعم، مع خصاصتهم ومع شدة ضيق حالهم، إلا أنهم وجدوا في ذلك لذة مبعثها الإيمان. وكيف أن هؤلاء المهاجرين الذين خلَّفوا وراءهم أموالهم وأولادهم وكل ما كانوا يجمعونه، ونجوا بأنفسهم وضحَّوا في سبيل الله تبارك وتعالى، كيف أنهم يترابطون إيمانيًا ومعنويًا مع إخوانهم الأنصار. فهذا التأخي الذي كان بين المهاجرين والأنصار هو معلم عظيم يجب أن يُدرس اليوم، ويجب أن تُؤسَّس المجتمعات –لا سيما الإسلامية– أسسها وأركانها على هذا المبدأ.
وأما المبدأ الثالث الذي يشكل المعلم المعرفي الأبرز، نعم، فهو العدل؛ لأن رسول الله صلى الله عليه وسلم أبرم معاهدة مع كل سكان المدينة، وفيهم اليهود، وفيهم القبائل التي كانت تسكن حول المدينة، وهذه الوثيقة التي شرط فيها لهم، واشترط عليهم –عليه الصلاة والسلام– فحواها وجوهرها وروحها العدل، فهو تأسيس لما نعرفه نحن اليوم بالمواطنة، نعم، وهي من أسمى الوثائق في تاريخ هذه الإنسانية.
فهذه المعالم هي التي ينبغي لنا أن ننظر إلى الهجرة من زواياها، ومن معالمها، ومن هداياتها ودروسها وعِبَرها وعظاتها، نعم.