⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
حسنًا فعل أخونا السائل بتذكيرنا بهذه القضية؛ لأن هذا الدرس أيضًا من أعظم دروس الهجرة الشريفة، ومن أعظم المحطات التي ينبغي أن نقف عندها ونحن نستقبل عامًا هجريًّا جديدًا؛ لأننا إذا نظرنا إلى حدث الهجرة: ما حصل أثناء الهجرة، أو ما كان قبلها، أو ما حصل بعدها، سنجد أهمية التربية الصحيحة القويمة للأسرة في صنع الأحداث الكبرى، لا مناص من الاعتراف بهذا الدرس.
لنأخذ مثالًا: أسرة أبي بكر الصديق رضي الله عنه، صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم في هجرته؛ فأسماء كانت تأتيهم بالطعام، والغريب أن التي روَت هذه القصة من ضمن الرواة هي أيضًا امرأة: فاطمة بنت المنذر كما عند الإمام البخاري؛ فالسيدة أسماء حينما تحدَّثت قالت: إنها أعدَّت سفرة طعام رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما وجدت ما تربطه به للطعام وللشراب، فأخبرت أباها أبا بكر الصديق رضي الله عنه، فقال: شقِّي نطاقك نصفين، اربطي بأحدهما الطعام وبالآخر السقاء، قالت: ففعلت، هذه الرواية روَتها عنها أيضًا السيدة فاطمة بنت المنذر.
هذه ابنة أبي بكر الصديق، أخوها عبد الله كان يأتيهم بالأخبار في منتهى السرية، كل هذه الأسرة إنما مَكَّن لها أن تكون من أسباب –من الأسباب المادية– في نجاح الهجرة حسنُ التربية، حسنُ الإعداد.
لنأتِ إلى قصة أسرة أبي سلمة؛ فأبو سلمة يريد أن يهاجر مع زوجه وولده أم سلمة، ولكن قومَها يمنعونها، ثم يتجاذبان الصبي حتى خُلعت ذراعُه، فيهاجر أبو سلمة وحده ويترك أسرته، فما يزحزحهم ذلك عن دينهم، حتى التحقت به زوجُه أم سلمة، وكان ولدها سافر معه، فكانت وحيدة لا بزوجها ولا بولدها، فما غيَّر ذلك من إيمانها ومن طموحاتها وتطلعاتها شيئًا.
حينما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم، كلنا يعرف ما حصل في بيت أبي أيوب الأنصاري من حسن وفادته، ومن التفاتته إلى معانٍ خُلُقية كريمة تكشف ما في هذه الأسرة من معانٍ سامية، وخلال كريمة يحتاج إليها كل بيت اليوم، والنماذج كثيرة.
فموضع الاعتبار هنا –ولا محيص للمسلمين اليوم من أن ينتبهوا ويلتفتوا– إلى أهمية التربية الصحيحة القويمة المستقيمة للأسر، للناشئة: حسن العلاقة بين الزوجين، حسن العلاقة بين الأبوين، حسن العلاقة بين الأبوين والأولاد، حسن العلاقة بين الأولاد أنفسهم.
وينبغي لنا أن نعترف أيضًا أن ما يتعلق بهذا الجانب –أي جانب تربية الأسرة على المعاني الكريمة، على الأخلاق الفاضلة، على صدق الإيمان بالله تبارك وتعالى، وعلى الجدِّ والعمل فيما تحتاج إليه الحياة من علم غزير، ومن عمل نافع، ومن جدٍّ واجتهاد– هذه المعاني كلها موجودة في هذه النماذج التي ذكرناها وفي غيرها مما لم نذكره، لكننا بحاجة إليها اليوم.
وكنت أقول: بأنه ينبغي لنا أن نعترف ما قدَّمه أهل الاختصاص من أبناء هذه الأمة في هذه الجوانب ضئيل بالنظر إلى جوانب أخرى، مع أن هذه القضية قضية محورية، هي ليست قضية هامشية، وكثير مما تعاني منه الأسر اليوم إنما منشؤه من خلل في التربية؛ ولذلك فإن على أهل الاختصاص من أهل الفقه والشريعة والدراسات التربوية، وخبراء هذه المجالات الأسرية، أن يقدِّموا للأسر المسلمة اليوم –مستلهمين هذه السيرة الحسنة لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولصحبه الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وللنماذج التي عرضها علينا كتاب الله تبارك وتعالى– مستلهمين أفضل الدروس والوسائل اللازمة للأسرة حتى تكون التنشئة تنشئة صالحة نافعة، قادرة على بناء مجتمعها وأوطانها بإذن الله تبارك وتعالى.
فهذا من الدروس؛ لا نتحدث عن درس واحد، نتحدث عن أمرين اثنين: نتحدث عن أهمية الأسرة وأهمية التربية الصحيحة لتنشئة الأجيال لا على مجرد أوهام أماني وطموحات كاذبة فارغة، وإنما على السعي على تحقيقها، وأن يكون تحقيقها موافقًا لشرع الله تبارك وتعالى عقيدةً وعملًا وخُلُقًا، ثم نتحدث عن درس آخر يتعلق بضرورة أن يقدِّم أهل الذكر في هذه المجالات للأسر المسلمة اليوم –بمختلف الوسائل– ما يحتاجون إليه في خضم ما تواجهه الأسرة المسلمة خصوصًا اليوم، سواء كان من فضاءات مفتوحة، أو من عالم شبكة المعلومات المفتوح، ومن وسائل التواصل الاجتماعي التي صارت تفِد دون استئذان إلى بيوتنا ولأطفالنا، أن يقدِّموا لهم النافع المفيد الذي يمكِّنهم من حسن التعامل مع هذه الوسائل ومع هذا الواقع، ليأخذوا منه النافع ويتركوا منه ما سواه.