⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بقي لها أن تصحح هذه الأخطاء التي وقعت في مسيرتها، ولذلك فإن دورانها في فلك استرجاع الدروس والعظات دون أن يكون لذلك أثر في واقعها، ودون أن تعترف بالأخطاء التي وقعت فيها، لن يخرجها إلى دائرة الانتفاع قطعًا، نعم.
ومن أبرز ذلك المسألة أشد إيلامًا مما تشيرون إليه؛ لأن طائفة كبيرة من الفقهاء صاغت لهذا الانحراف الفكري المعرفي، نعم، فبدل أن تأخذ –على سبيل المثال– مما سبق الهجرة في بيعة العقبة الكبرى، نعم، أن أساس العلاقة لبناء مجتمع راشد ودولة يمكن لها أن تقيم أود حضارة، وأن تحقق للإنسان مطالبه، إنما هو التراضي والتعاقد؛ فمعناها الظاهر: رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام أبرم بيعة العقبة الكبرى، وكانت بيعة تراضٍ بينه وبين الأنصار، وقد كان الأنصار يومها من الأوس والخزرج في بيعة العقبة الكبرى اثنين وسبعين رجلاً وأربع نساء، نعم، ومع ذلك فرسول الله صلى الله عليه وسلم أيضًا جعل عليهم نقباء، نعم، جعل عليهم اثني عشر نقيبًا، وأخذ منهم، اشترط عليهم بعد الإيمان بالله تبارك وتعالى وألا يشركوا به شيئًا أن ينصروه كما ينصرون أنفسهم وأهليهم، وكانت تلك النواة لما حصل بعد ذلك من هجرة المسلمين إلى المدينة المنورة، ومن هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم وتأسيس دولتهم.
إذا بالفقهاء بعد ذلك ينحرفون عن هذا المعنى الظاهر إلى ما يُعرف بفقه التسلط، نعم، وفقه التغلب، وفقه الاستبداد، نعم، بدل فقه التعاقد والرضا والحرية والعدل والاختيار، نعم. فالانحراف حصل في مرحلة مبكرة، وطُمست هذه المعالم الظاهرة لهذا الحدث الكبير، نعم.
ثم الهوية الإسلامية تشكلت بهذه الحادثة، حادثة الهجرة، ولذلك اختارها سيدنا الجليل عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عليه الصلاة لتكون أساس اعتمادهم للتاريخ... إلى أن يقول: فاجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لأسباب ظاهرة جلية... فاستأنسوا بقوله تعالى في شأن مسجد قباء: ﴿لَمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ﴾، ثم نظروا في البدائل... فكانت حادثة الهجرة هي الأجدر بأن يُسنِد إليها المسلمون تاريخهم... فهذا كله يُطرح تصورًا لما ينبغي أن يكون عليه نظر الأمة إلى هذا الحدث.
ثم يصوّر واقعًا آخر من الانحراف في تناول تفاصيل حادثة الهجرة –كقضية مبيت علي رضي الله عنه، وقصة الحمامة والعنكبوت، ونشيد «طلع البدر علينا»– وكيف تحوّلت عند بعضهم إلى ذرائع للنكاية والفرقة، بدل أن تكون الهجرة مجالاً لاستخلاص الدروس الكبرى في التخطيط والقيادة والتنفيذ والالتزام.
وفي الختام يبيّن أن ما كان لهذه الحادثة أن تحصل لولا أن هناك قيادة وتخطيطًا من جهة، كما أن هناك تنفيذًا دقيقًا أمينًا من جهات أخرى؛ فأولئك النفر من المسلمين الذين هاجروا سرًا، وأولئك الذين هاجروا جهرًا، وأولئك الذين شاركوا في حادثة الهجرة نفسها بالالتزام بما خُطط له رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخذوا التدابير السياسية والعسكرية والأمنية ونفذوها بدقة متناهية، فاجتمعت هذه العوامل لنجاح الهجرة على أحسن ما يكون.
فلا ينبغي أن يُنظر إلى جانب القيادة والتخطيط ولا يُنظر إلى جانب التنفيذ الأمين والسرية اللازمة لنجاح المسعى، والأمانة في التنفيذ، والحرص على اتباع التوجيهات التي تبلغهم غاياتهم، نعم؛ إذ لا يمكن بحال من الأحوال أن يكون كل أفراد المسلمين مخططين قادة، فمن الذي ينفذ، ومن الذي يلتزم، ومن الذي يتبع ذلك التخطيط ويجعل منه حقيقة واقعة حتى يتحقق المطلوب.