⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
القولُ الأشهر عند المفسِّرين أن الزوج يُسمَّى سيدًا عند الأقباط في ذلك الوقت، نعم، وهذا القول قال به كثيرٌ من المفسِّرين من المتقدِّمين منهم ومن المتأخِّرين، وأيضًا يستشهدون –حتى من المتأخِّرين– أنه لا يزال في مصرَ إلى الآن يُطلَق على الزوج "السيد"، وأن النساء يمكن أن يُنادين أزواجهنَّ بلقب "السيد" إلى الآن، نعم.
ومنهم من قال بأن هذه لم تكن زوجةً حُرَّةً، نعم، وإنما كانت أَمَةً، واستأنس لذلك بكثرة الاسترقاق، حتى إن قصة السورة نفسها ذكرت في بدايتها: ﴿وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ﴾ [يوسف: 20]، يعني: ﴿قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَألْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ﴾ [يوسف: 10]، وقالوا: ﴿يَا بُشْرَى هَذَا غُلَامٌ وَأَسَرُّوهُ بِضَاعَةً﴾ [يوسف: 19]، ممَّا يعطي إشارةً إلى أن الاسترقاق كان مألوفًا، ولذلك استبشروا به؛ لكن لا أعرف ما الحاجة إلى هذا القول، لا سيما وأن الآية نفسها قالت: ﴿وَألْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَا الْبَابِ * قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: 25].
القول الأوَّل يشفع له أن هناك ألقابًا كانت مستخدَمة في البيئة المصرية في ذلك الوقت، وقد نقلها القرآن كما هي؛ ليدلَّنا على طبيعة هذه الألقاب، ونوع الثقافة والمعيشة التي كانت سائدة.
والذي أجده أكثر إقناعًا –بالتأمُّل في هذه الآية الكريمة، وإن كنت لم أره لأحد– أن القرآن الكريم يحكي لنا هذا المشهد بأبلغ تصويرٍ وأدقِّ عبارة؛ امرأةُ العزيز لا شك أنها كانت مُذنِبة، فهي التي راودت يوسفَ عليه السلام عن نفسِه، نعم، ويوسف يَهْرُبُ منها، ويفتح بابًا بعد الآخر، حتى إذا جاء هذا الباب تجد سيدَ القصر –زوجَها– أمامَها.
فالحالة التي ستكون عليها المرأة: تريد أن تُنْجِي نفسَها، وأن تُظهِر براءتَها، وأن تستعطف مشاعرَ زوجها، وأن تسترحمه، وأن تنفي عن نفسِها التُّهمة؛ ولذلك فإنها تتذلَّل وتتدلَّل إليه بأدقِّ العبارات التي تستميله بها؛ فهذه الكلمة تعطي هذا الانطباع: أنها تذلَّلت في خضوعٍ تامٍّ له، وخاطبته بلقب السيد.
وبعد ذلك أيضًا تأكَّد هذا المعنى: ﴿قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أرَادَ بِأهْلِكَ سُوءًا﴾ [يوسف: 25]؛ لم تقل: "بي"، قالت: "بأهلك"؛ أيضًا تذكِّره لكي تدفعه إلى أن يتخذَ موقفًا مؤيِّدًا لها، وأن يكون هذا الموقف ضد يوسف عليه السلام، نعم.
فهذا قريبٌ من القول الأوَّل، لكنه يستنطق هذا اللفظ للدلالة على ما حصل في المشهد؛ فامرأةُ العزيز كانت غايةً في التذلُّل والخضوع والاستكانة لتستجلب عطفَ زوجها إليها، ولأجل أن يُناصِرَها على يوسف عليه السلام، فاستخدمت هذه العبارات، وأظهرت هذه المشاعر.
وفي المقابل –نظرًا لأن يوسف عليه السلام كان موقنًا بالله تبارك وتعالى، واثقًا من نفسِه– فإنه لم يُخاطِبْه بأيِّ لقب، وكأنه أيضًا غير مكترثٍ بما تدَّعيه، اكتفى بقوله: ﴿قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي﴾ [يوسف: 26]، نعم.
فهذا التبايُن في صياغة المواقف يعكس حقيقةَ هذه المواقف؛ فتلك في ضعفٍ وذلَّةٍ؛ لأنها مُذنِبة قارفت خطأً وإثمًا، ويوسف عليه السلام واثقٌ مطمئنٌّ على يقين، ولذلك ناسَب أن يُوصَف موقفُ كلِّ واحدٍ منهما بما يُعبِّر عن حقيقة هذا الموقف، والله تعالى أعلم.