⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن هذه الجملة القرآنية وردت على لسان العزيز في قوله: ﴿قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾ [يوسف: ٢٨].
فاختلف العلماء في مخاطبته لامرأته بصيغة الجمع بعدما تكشفت الحقيقة وثبتت براءة يوسف عليه السلام، وأن الخيانة إنما كانت من المرأة، ثبت كل ذلك للعزيز، فإنه وبخها بهذا القول، وعلل توبيخه لها بقوله: ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
فهذه حادثة مخصوصة أولًا، ولذلك فإن منحى من المفسرين والعلماء منحى أن لا تعميم في هذه الآية حتى تهدأ نفس السائلة، فإنه منحى موافق لدلالة الآية القرآنية والسياق القرآني.
لكن لما خاطب العزيز امرأته بصيغة الجمع ذكر العلماء وجوهًا، أفضلها: إما لأن معها غيرها من النساء من وصيفاتها والعاملات معها في القصر، وقال هؤلاء بأنه لا يتأتى لها أن تنفرد وأن تعد خطة وأن تحكم إغلاق الأبواب وأن تصنع كل ما صنعته من مكيدة دون أن يكون لها من يعينها من وصيفاتها وممن تثق فيه من النساء في القصر، ولذلك فإنه وجه الكلام إليها وإلى من كان معها، فقال: ﴿إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
والمعنى الآخر – وقد يكون أكثر لطافة في دلالته على معنى يتناسب أيضًا مع السياق القرآني – هو أن من شأن القصور أن تكون الحياة فيها حياة بذخ وترف، وأن يستسيغ أهلها إتيان ما يعيب الخلق الكريم، فيقبلون ذلك ولا ينكرونه كثيرًا، ولذلك فإنهم حتى في خطابهم لنسائهم ولأهل بيتهم لا تجد فيهم شدة الإنكار ولا الغيرة على الحرمات، فتجد أن عباراتهم عبارات فيها من التخفيف وإبعاد الاتهام، إلا حينما لا يكون منه بد.
فلما خاطبها بصيغة الجمع أراد تخفيف وقع هذه الحقيقة عليها، فلا يريد أن يصدمها؛ لأن هذه هي طبيعة الحياة في القصر: حياة ترف وبذخ، وعدم إنكار للمنكرات إلا حينما يحزب الأمر، فيأتي الإنكار بصيغة مخففة، فكان معها غيرها، وكأنها ليست هي وحدها فقط، وكأنها ليست في مقام اللوم والعتاب منفردة دون من سواها، وكأن هذا ليس من شأنها، وإنما هو من طبيعة النساء، فهو من كيد النساء ﴿إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ﴾.
ويريد أن يخفف من وقع هذه الحقيقة الصادمة على امرأته، بدليل أنه لم يتعرض لها بعد ذلك بشيء، بل مع ثبوت براءة يوسف عليه السلام إلا أنه سجن ظلمًا وعدوانًا من امرأة العزيز وممن شاركها بعد ذلك من النسوة، والعزيز نفسه كان يعني شاهدًا براءة يوسف عليه السلام، ومع ذلك فقد آل الحال إلى سجن يوسف ولم تمس امرأة العزيز بشيء.