⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ربما الناس يحتاجون إلى نصيحة في موضوع تكدس الأطعمة أثناء الإفطار، وما يؤكل منها سوى القليل، وبعد ذلك تأخذ طريقها إلى الزبالة أو النفايات؛ هذا لا يجوز أبدًا، لأنه من الإسراف والتبذير، والله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: ٢٦-٢٧]، وقال: ﴿وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ﴾ [الأعراف: ٣١].
ورمضان ومدرسة الصيام تعلّم الصائمَ قيمة هذه الحياة الدنيا، تعلّمه كيف يترفّع عن حطامها وأهوائها وشهواتها، كيف يتحكّم في جوارحه وأعضائه، كيف يشعر بآلام الفقراء والمساكين، يقتصد في مطعمه ومشرَبه، كيف يُدرك ويستبطن حقيقة الحياة الدنيا، وأنه يمكن الاستغناء عن كثير من المباحات فيها امتثالًا لأمر الله عز وجل وتعبدًا له وابتغاءً لما عنده.
فلا ينبغي للصائم أن يفوِّت كل هذه الحكم والمعاني والمقاصد النبيلة الشريفة التي أودعها ربنا جل وعلا في شهر الصيام، ويدخن بطنه، ويُقبِل على ما لا يستطيع احتماله، بل لعل فيما يأتيه من مطعومات ومشروبات زائدة عن احتماله لعل في ذلك مفسدة له في صحته وفي بدنه وفي قواه وفي عقله وفي تفكيره، وما لهذا شُرِع الصيام؛ شُرِع الصيام من أجل أن نستفيد منه المعاني المتقدمة: كيف نسموَ بأنفسنا وأرواحنا وأخلاقنا، كيف نقتصد في إنفاقنا، كيف ننظِّم أوقاتنا؟
هنا ملحظ في آيات الصيام، جاء بعدها مباشرة: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُوا بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ﴾ [البقرة: ١٨٨] الآية، ما جاء هذا التشريع إلا بعد آيات الصيام، في دلالة واضحة على أن هذا الصائم المتخرِّج من مدرسة الصيام، المتزوِّد للتقوى منها، فإنه يدرك حقيقة الدنيا، وحينئذ فإنه يعرف حقيقة المال؛ فليس له أن يظلم، ولا أن يكسب مالًا بالباطل، ولا أن يدفع مالًا بالباطل.
فهو في كسبه وفي إنفاقه يلتزم تقوى الله تبارك وتعالى؛ لأنه تخرَّج للتو من مدرسة الصيام، التي أثبت لنفسه فيها قدرته على التغلب على أهوائه وشهواته، والتي أدرك فيها حقيقة هذه الحياة الدنيا، وأن الذي ينفعه فيها إنما هو عمله الصالح وعبادته لله تبارك وتعالى؛ لأنه تخلَّى عن مباحات، امتنع وكفَّ نفسه عنها وأمسك عنها، فأدرك حقيقة المال، أدرك قيمة المال، أنه لا يُراد من وجوده في هذه الحياة أن يجمع الأموال، وأن يتأثَّرها غيرَ ما فيه منفعة ومصلحة له ولأسرته ومجتمعه ووطنه.
ومن أجل ذلك ناسب أن يأتي النهي عن أكل الأموال بالباطل بعد آيات الصيام...