⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لعل سؤاله أنها كُتبت بدون ياء في سورة البقرة، هي الألف في كل القرآن لم تُكتَب الألفُ ألفُ إبراهيم، وإنما عُوِّض عنها بألفٍ صغيرةٍ للدلالة على الألف، نعم، لكن الياء هي التي لم تُكتَب في سورة البقرة.
ولنبيِّن هذه المسألة، لأنها متصلةٌ برسم المصحف، وكثير من الناس يجهل حقيقة رسم المصحف، وهناك طرفان فيهما مبالغةٌ فيما يتعلق بالرسم العثماني أو رسم المصحف الشريف: طرفٌ يدعي أن هذا الرسم توقيفي، وطرفٌ آخر يرى أنه اجتهادي، وأن فيه أخطاءً من كَتَبَة الوحي أصحابِ رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم رضوان الله تعالى، وكلا القولين بعيدان عن الصواب؛ فلا دليل على التوقيف، كما أن ادعاء أن كَتَبَة الوحي من الصحب الكرام رضوان الله تعالى عليهم كانوا يجهلون أحكام الإملاء وقواعد الرسم غير منصفٍ أبدًا.
وإنما هو عملٌ اجتهادي من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن خلفائه الراشدين رضوان الله تعالى عليهم، أجمعت عليه الأمة قرنًا بعد قرن، وحتى ما اختلفت فيه المصاحف من فروقاتٍ يسيرة هو مما دخل في الإجماع؛ فقد تلقت الأمة هذا الرسم بالقبول وأجمعت عليه، وضبطت هذه الفروق الموجودة بين المصاحف الشامية والعراقية والمصاحف المدنية والمصاحف المغربية، هذه هي أشهر المصاحف التي بقيت من ما أجمع عليه المسلمون في عهد الخليفة عثمان بن عفان، هذه المواضع التي فيها فروقات تؤكد أن المسألة ليست مسألة توقيفية.
لكن أيضًا بما ثبت اليوم من جودة هذا الرسم ومن اشتماله – وهذا هو التنبيه الثاني – أن هذا الرسم مشتملٌ على القراءات التي تلقتها الأمة بالقبول، القراءات السبع والقراءات العشر مُشتملةٌ متضمَّنة في هذا الرسم للمصحف الشريف.
التنبيه الثالث: أن الأصل في القرآن الكريم التلقي مشافهةً؛ فينقله جيل المسلمين إلى من يأتي بعدهم جيلًا بعد جيل، والرسم ضابطٌ لهذا التلقي الشفوي، فالأصل فيه التلاوة: ﴿اتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾ [الكهف: 27].
هذه المقدمة ضرورية لنفهم هذه المواضع التي تختلف، سواء كان في رسم «إبراهيم» أو في سائر الكلمات؛ بعض المواضع نجد فيها أن كلمات تُرسَم بتاءٍ مفتوحة، ونفس الكلمة تُرسَم في موضعٍ آخر مربوطةً على سبيل المثال.
لنأتِ الآن لنفهم ما يتعلق برسم «إبراهيم». أيضًا ذكر بعض الناس كثيرًا مما اجتهدوا فيه وحاولوا أن يفسروا سر هذا التباين أو الاختلاف، وقد أبعدوا النُّجعة؛ فمنهم من زعم – على سبيل المثال – أن رسمها بدون ياء إنما كان قبل أن يُولَد له، وهذا غيرُ صحيحٍ بدليل سورة البقرة نفسها.
لكن الأظهر – وهذه وجوه من الحكمة – فإن في كلمة «إبراهيم» عليه السلام في القرآن الكريم قراءات، أشهرُها «إبراهام» بالألفين دون ياء، وهذه القراءة قرأ بها ابن عامر الدمشقي، وابن عامر له راويان: هشام وابن ذكوان، وقد اتفقا في سورة البقرة في قراءتها بالألفين: «إبراهام، إبراهام».
فهذه المواضع التي رُسِمت فيها كلمة «إبراهيم» من سورة البقرة بدون ياء هي في الحقيقة المواضع التي اتفقت فيها قراءتا ابن عامر من طريق هشام ومن طريق ابن ذكوان. وطبعًا لا يُقال أيضًا، لا يُفهَم من هذا أن ابن عامر قرأ فقط في سورة البقرة بالألفين، لا، هو قرأ في مواضع أخرى أيضًا من القرآن الكريم، بعضهم أوصلها – حسبما أذكر – إلى ثلاثة وثلاثين موضعًا، لكن خمسةَ عشرَ موضعًا منها في سورة البقرة، وهي المواضع التي اتفقت فيها الروايتان عنه: رواية كما تقدَّم هشام، ورواية ابن ذكوان.
فهذا هو كل ما في الموضوع: أن اجتهد أيضًا أهل الاختصاص وأظهروا وجوهًا مقبولة تتسق مع القواعد المتقدمة دون تكلُّف، فإن قُبِلت فبها، وإلا فلا حاجة إلى التكلف؛ لأن نطقها واحد، هذه هي الخاتمة: النطق لا علاقة له بالرسم؛ يعني نجد أنها مرسومةٌ بدون ياء، ومع ذلك قراءتها «إبراهيم»، ونجد أن الألف غير موجودة، وإنما كانت – كما نسميه نحن اليوم من علامات الترقيم – ألفًا صغيرة، في كل مواضع القرآن الكريم، وهي مثبتةٌ نطقًا، فالقراءة واحدة، وإنما القراءة تكون تبعًا للقراءة المتَّبَعة، للقراءة المتواترة التي يتبعها التالي لكتاب الله عز وجل، سواء كان تلاوةً أو كان تعليمًا.
الحاصل: هو يلتزم بما عليه هذه الروايات، روايات القراءات، فالنطق واحدٌ وإن اختلف الرسم، وهذا ما يؤكد ما تقدَّم من أن الأصل فيه النقل الشفوي.
والله تعالى أعلم.