⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ليست المسألة في لائحة تنظيمية، المسألة في الالتزام الداخلي، في تمثلنا لهيبة هذا البيت من بيوت الله تبارك وتعالى الذي نرتاده لأداء ما افترض الله عز وجل علينا، ومن مئذنته ينطلق نداء الحق فتستجيب له النفوس.
كيف نعظم هذا المسجد؟ كيف تكون أخلاقنا وآدابنا فيه؟ كيف نوقر هذا المكان رغم تواضعه وبساطته، إلا أنه يمثل هيبة عقيدة المؤمن كما يمثل جمال هذه العقيدة؟ نعم، هكذا هي المساجد رغم بساطتها وتواضعها، إلا أنها تعكس روح الإيمان وجوهر الإسلام في يسر هذا الدين وفي سماحته وفي أخلاقه وقيمه.
فالمسلم راسخ، المؤمن راسخ بعقيدته رسوخ هذه الجبال، رسوخ هذه المساجد التي لا يتحول حكمها حتى يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، نعم، لكنه ودود، يشعر -أي أن هذه المساجد- يشعر فيها المرء بالطمأنينة والسكون والسلم والسلام والأمن، كما أن هذا الدين كذلك يوفر لأتباعه السكون والطمأنينة والهدوء وانشراح الصدر، والسلم الداخلي والسلام والأمن والإيمان.
فمن المساجد لنتعلم كيف نقدس هذه المساجد، وكيف نعظم شعائر الله تبارك وتعالى، وفيها نتعلم كيف نحب إخواننا، كيف يكون من لوازم إيماننا أن نحب لإخواننا ما نحبه لأنفسنا: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، فنجعل من هذه المحبة حقيقة واقعة نستلهمها من حضورنا في المساجد، فنراعي ظروف إخواننا، نعطف عليهم ونرحمهم.
إذا كنت أنت تشعر ببرد فلعل غيرك يشعر بحر، فاحتمل قليلا من البرودة من أجل إخوانك، نعم، إذا كنت تتأذى من أصوات بعض الصبية أو الأطفال الذين يلعبون، فانصح نصيحة مشفق، محب، مودٍّ، وعلم هؤلاء الأطفال آداب المسجد، حببهم إلى الإتيان إلى بيت الله تبارك وتعالى، وأَرِ من نفسك معنى الإخاء الإيماني الذي أراده لنا ربنا تبارك وتعالى.
فليست المسألة في إلزام، المسألة في الالتزام الداخلي، هذا ما نحتاج إليه.
هناك قصة مؤثرة: فرسول الله صلى الله عليه وسلم بعث خيلا قبل نجد، فأتت بأسير، وهو سيد قومه، من يعني هو ابن عم مسيلمة الكذاب، فربط إلى سارية في المسجد، ثمامة بن أثال، ثمامة بن أثال، فربط إلى سارية في المسجد، ونحن نعرف بساطة مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، فأتاه النبي عليه الصلاة والسلام في اليوم الأول فسأله: ما أنت قائل يا ثمامة؟ فقال ثمامة: أخ كريم، إن تنعم تنعم على كريم، وإن تقتل تقتل ذا دم، نعم، وإن كنت تريد مالا فسل تعط منه ما شئت. فتركه عليه الصلاة والسلام، وأتاه في اليوم الثاني فسأله نفس السؤال، وفي اليوم الثالث سأله نفس السؤال، وهو يجيب نفس الإجابة: إن تنعم تنعم على كريم، وإن كنت تريد مالا فسل تعط منه ما شئت، وإن تقتل تقتل ذا دم. فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بتخلي سبيله، فأطلق سراحه، فخرج ثمامة إلى ماء قريب فاغتسل وتوضأ، ثم أتى وقال: أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله.
ما الذي دفع ثمامة بن أثال إلى أن يعتنق هذا الدين طواعية بعد أن أطلق سراحه؟ لا ريب أن الذي رآه في المسجد من أخلاق المسلمين، ومن تعاطفهم، ومن تآلفهم، مما لم يعهده أبدا عند غيرهم هو الذي دفعه إلى معرفة حقيقة هذا الدين.
فكيف بنا نحن اليوم نتخاصم ونتنازع في بيوت الله عز وجل على أتفه الأسباب، صحيح، وفيما يمكن أن يحتمل بعضنا بعضا فيه؟ ولذلك فَنصيحتي أن يوسع المصلون صدورهم لبعضهم البعض، يحتملوا إخوانهم، وأن يترفقوا ببعضهم البعض، وأن يحققوا معنى قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ترى المؤمنين في توادِّهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر»؛ إذا كان هذا لا يتمثل في المسجد، فأين يمكن أن يتمثل؟ وكيف سيتمثل بعد ذلك في المجتمع وفي معترك هذه الحياة؟
فنحن بحاجة إذًا إلى تمثل حقيقة هذه المعاني تمثلا حقيقيا نابعا من أعماق نفوسنا، وأن نلتزم بها، وأن نعظم هذه المساجد وأن نوقرها، وأن نتعلم منها لكي نأخذ الزاد الذي نحتاج إليه لخارج هذه المساجد، نعم، لمواجهة أهواء هذه الحياة وشهواتها ونوازعها وغلوائها.
إذا لم يتحقق هذا المعنى، معنى أصيل، إذا لم يتحقق، نحن اليوم نرى في كثير من المساجد، نرى في الحرمين الشريفين، نرى في الجوامع الكبيرة، ألوف المصلين، صلاتهم واحدة، ركوعهم واحد، وسجودهم واحد، وقرآنهم واحد، وربهم واحد، وقبلتهم واحدة، نعم، أليسوا أحرياء بأن تتآلف قلوبهم؟ هذه الشعيرة التي أكرمنا الله عز وجل بها في ديننا، وجعلها سببا لتآلف القلوب وللمؤاخاة فيما بيننا، كيف نفرط في كل ذلك ولا نلتفت إلى معانيها وإلى جوهر رسالتها وإلى ما تحدثه في نفوسنا؟
فالواجب علينا أن نراجع هذه المفاهيم وأن نصححها ليس على مستوى مجتمعاتنا المحلية فقط، وإنما على مستوى عموم أهل القبلة.
النظام الداخلي قبل الخارجي.
والله تعالى أعلم.