⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هو الحقيقة السؤال يعني يحتاج إلى تصحيح؛ لأن تحريم كل الخنزير هو الأصل، فالسؤال كان ينبغي أن يكون: من أين سرى إلى هؤلاء أن المقصود هو تحريم اللحم فقط؟ الآية وردت هكذا، نعم، لكن هذا هو بداية الجواب.
ولتحرير الجواب في هذه المسألة حتى نضع أيضا منهجا ينفع إخواننا وطلبة العلم والذين يتعرضون لمثل هذه الشبهات، هناك جانب علمي، وهناك جانب قرآني، وهناك جانب نبوي يتعلق بهذه القضية. لنبدأ بالجانب القرآني، لأنه أوضح وأقرب إلى النفوس، وينبغي لنا كذلك أيضا أن نحمل الناس على حسن الظن، وأن نقول: هؤلاء الذين يناقشون مثل هذه القضية وتأخذ حيِّزا من حواراتهم، أنهم راغبون فعلا في التعرف على أحكام دين الله عز وجل، لكن الذي يكدِّر هذا الظن أنك تجد لَغْلَغة فيها كثير من الشدة والتنقص من تراث المسلمين ومن كلام علماء أوائل، مع أن المسألة لو أمعنوا النظر وأنصفوا من أنفسهم وعادوا إلى كتاب الله عز وجل لوجدوا فيها غنية ما بعدها مطلب.
لناخذ –من باب المناظرة– كيف يَرِد «اللحم» في كتاب الله عز وجل؛ لننظر كيف ورد استخدام اللحم، مصطلح اللحم في القرآن. كانوا باستطاعتهم أن يبحثوا في القرآن الكريم، وسيجدوا استخداما يقنعهم.
لنأخذ في سورة البقرة: ﴿أَوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أَنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأَمَاتَهُ اللَّهُ مِائَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أَوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِائَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إِلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إِلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إِلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا﴾ [البقرة: 259]. هذه العظام بمَ كُسِيَتْ؟ بلحم فقط، أم بلحم وشحم وعَصَب وخلايا وأعصاب وغدد، وكل ما يشتمل عليه البدن؟ هذا استخدام واحد.
ثانيا: في نعيم أهل الجنة: ﴿وَفَاكِهَةٍ مِمَّا يَتَخَيَّرُونَ * وَلَحْمِ طَيْرٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾ [الواقعة: 20-21]؛ هل خُصُّوا باللحم فقط، بلحم الطير دون ما فيه من شحم وعصب وما تشتمل عليه هذه الطيور التي يشتهونها؟
آية أخرى: يقول الله عز وجل: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا وَلَكِنْ يَنَالُهُ التَّقْوَى مِنْكُمْ﴾ [الحج: 37]. قال: ﴿لَنْ يَنَالَ اللَّهَ لُحُومُهَا وَلَا دِمَاؤُهَا﴾، فهل يناله منها الشحوم والدهون والعظام لما قال: ﴿لُحُومُهَا﴾؟ هل يناله منها الشحوم والعظام والعصب والمخ والجلود والشعر وما سوى ذلك؟ لا يوجد هنا مفهوم يخصص.
ويقول ربنا أيضا في سورة المؤمنون: ﴿ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا العَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا المُضْغَةَ عِظَامًا فَكَسَوْنَا العِظَامَ لَحْمًا﴾ [المؤمنون: 14]. هذا الجنين المتكوِّن، أَكُسِيَ بلحم فقط، أو كُسِيَ بكل ما يتشكل منه جسمه وهو جنين من أوردة وعصب وأوعية دموية وقلب وأعصاب وغدد وإلى آخره؟ إذا هذا هو استخدام كلمة «اللحم» في القرآن الكريم.
هناك أمثلة أخرى، يقتصر على هذه التي تقدمت. فما الذي يجعل هذا الموضع مختلفا، أي في قوله تعالى في سورة الأنعام: ﴿قُلْ لَا أَجِدُ فِيمَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾ [الأنعام: 145]، ما الذي يجعل هؤلاء يحملون «لحم الخنزير» على اللحم فقط، ولا يحملونه في المواضع الأخرى من كتاب الله عز وجل وهي مطَّردة في كل موضع وردت فيه؟
حتى في السمك: ﴿وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ البَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾ [النحل: 14]. فقال: ﴿لَحْمًا طَرِيًّا﴾، فهل في السمك لا يُباح إلا اللحم منه دون ما يشتمل عليه بعد ذلك من جلد وزعانف وما يشتمل عليه من أوعية دموية وما سوى ذلك؟ لا يصح هذا المعنى، ولا يوجد حينئذ مسوِّغ لحمل «لحم الخنزير» على اللحم فقط.
وإنما الذي سوَّغ ذكر اللحم أنه أخص المنافع، وهي التي كان يطلبها الناس، ولذلك خُصَّ بالذكر، لكن هذا الذكر لا يعني أن ما سواه مباح، ومن أجل ذلك أجمع العلماء، اتفقت كلمتهم على أن المحرَّم هو الخنزير كلُّه، بما فيه من شحم ودهن وعصب وعظم وجلْد؛ وإنما اختلفوا في الشعر لوجود رواية –من حسَّنها– في الغَرْز أنه يمكن أن يتخذ منها للغَرْز، فمن قبل هذه الرواية استثنى الشعر فقط، ومع ذلك فالجمهور –لم تخنِّي الذاكرة– على المنع أيضا لعموم هذه الأدلة.
أما الضمير في قوله: ﴿فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، ومحاولة بعض المفسرين رد هذا الضمير في آية الأنعام إلى المضاف إليه «الخنزير» في قوله: ﴿أَوْ لَحْمَ خِنزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ﴾، هذا قول، لكن الظاهر أن هذا الضمير يعود إلى كل ما تقدم: إلى الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير، يعود إليها جميعا، لبيان العلة التي من أجلها حُرِّمَت.
وسأضيف في نفس السياق آية البقرة، يقول الله تبارك وتعالى: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾ [المائدة: 3]... ثم قال: ﴿وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالمَوْقُوذَةُ وَالمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَمَا أَكَلَ السَّبُعُ إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾ [المائدة: 3]. هذه تُدرك زكاتها –أي تذكيتها– من التي شارفت على الموت: من المنخنقة والموقوذة والمتردية والنطيحة وما أكل السبع، إذا أدركت زكاتها قبل أن تموت فإنها حلال، ولذلك ورد هذا الاستثناء.
ليأتوني بدليل واحد يبين كيف يُذَكَّى الخنزير حتى يُنتفع بشحمه وجلده وعظامه وما سوى اللحم. هل يوجد عقلا أو نقلا، هل يوجد عقل أو نقل في بيان كيفية تذكية الخنزير؟
من أجل ذلك قلت: نضع خطا؛ هذه في آية البقرة –وهي أيضا آية واضحة– يستطيع يعني هذا المعنى القريب واضح: ﴿حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ المَيْتَةُ﴾ لأنه لا يمكن الانتفاع من أكلها، ﴿وَالدَّمُ﴾ لأنه لا سبيل شرعي إلى الانتفاع منه، ﴿وَلَحْمُ الخِنزِيرِ وَمَا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ﴾، هذه كلها ليس هناك استثناء، لا يمكن تدارك تذكيتها حتى تصبح حلالا، أما ما جاء بعدها فيمكن تداركه، ولذلك جاء الاستثناء: ﴿إِلَّا مَا ذَكَّيْتُمْ﴾.
هذا الجانب القرآني، والجانب النبوي فهو الأحاديث التي وردت في تحريم الخنزير بكُلِّه، كل الخنزير. والجانب العلمي كثيرا يدور حوله...
والله تعالى أعلم.