⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم دلت آيات في كتاب الله تعالى على أعظم فضله وألو قدره، حسبنا من ذلك قول الله سبحانه وتعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107]. فالله سبحانه وتعالى أطلق هنا هذا البيان العظيم الذي ينم عن قدر هذا الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ويبين مقامه عند الله وقدره الذي يجب أن يكون أيضًا عند الخلق، فهو أرسله الله تعالى رحمة للعالمين.
والعالمون جمع عالم، والعالم يصدق على كل ما كان علامة ودليلًا على وجود الله، ومعنى ذلك أن الكون بأسره هو مغمور بهذه الرحمة ومشمول بهذه النعمة، فكل ذرة في الكون هي مغمورة بهذه النعمة العظيمة وهذا الفضل اليسير بنعمة إرسال الله تعالى عبده ورسوله محمدًا عليه أفضل الصلاة والسلام، وفي هذا ما يدل على أن كل وصف يوصف به غيره إنما هو يقصر دون هذا الوصف.
على أن جبريل وصفه الله تعالى بأنه رسول كريم ذي قوة عند ذي العرش مكين، والملائكة لهم أقدار عالية، ولكن هناك فرق ما بين طبيعة الملائكة وطبيعة البشر؛ البشر جعلهم الله سبحانه وتعالى يجمعون ما بين طبائع متنوعة، الملائكة لهم طبيعة فهم يتمتعون بعقول من غير أن تزاحمها شهوات، والبهائم على عكس ذلك، البهائم هي ذات شهوات من غير أن تكون هنالك عقول تزاحم هذه الشهوات، اللهم إلا ما يكون من العقل الفطري بحيث إن الحيوان يدرك بعض الإدراكات التي تجعله يتقي الشر، يتقي الضرر، فنجد الحيوان مجبولًا على الفرار من أسباب الهلكة، فالشاة حتى وإن لم تر الذئب قط في حياتها ولكن أبصرت الذئب بطبيعتها تفر سبحان الله من الذئب، فهذه قضية جبلية.
ولكن العقول التي تؤدي إلى التفكير في المآلات وتربط ما بين الدنيا والآخرة، والعمل والجزاء، وتقارن ما بين آثار الأمور بداياتها ومآلاتها؛ هذه العقول لا توجد في الحيوانات. الإنسان يجمع ما بين العقل وما بين الشهوة، فهو إن غلبته شهوته يكون شرًا من الحيوان، بل كما قال الله تعالى: ﴿أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ﴾، وإن كان بالعكس من ذلك كان خيرًا من الملائكة؛ لأن الملائكة ليس هناك ما يزاحم عقولهم شيء مما يدعوهم إلى الخروج عن الخط السوي، بينما الإنسان يقاوم ذلك.
ونجد أن الله سبحانه وتعالى أوحى إيذانًا بفضل الإنسان في كتابه عندما قص نبأ خلق الإنسان، خلق آدم عليه السلام: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً * قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ * قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 30]، ﴿وَعَلَّمَ آدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ * قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ * قَالَ يَا آدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ﴾، ﴿فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ [البقرة: 31-33]، ثم أتبع ذلك أمر الملائكة بالسجود لآدم اعترافًا بفضله.
وقال إبليس: ﴿أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ﴾ [الإسراء: 62]، يعني آدم كُرِّم.
فإذاً لما كان هذا طبع الجنس البشري وهذا قدره، فلا ريب أن من كان الصفوة الصفوة من خلق الله يفضُل على جميع الملائكة.
نعم، لكن بما أن ذلك لم يأتِ نصًّا لا نستطيع أن نقول بأن هذه القضية قطعية بحيث يقال بهلاك من خالف في ذلك، وإن كان من الناس من قال بأن الزمخشري خالف الإجماع في قوله بتفضيل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة والسلام، ولكن الإجماعات كثيرٌ منها ظنية؛ لأنها لم تثبت بنقول متواترة، إنما الإجماع الذي يُقطع به هو الإجماع الذي تُجمِع عليه الأمة بأسرها وينقل نقلاً تواتريًّا.
والله تعالى أعلم.