⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، لا يعني هذا؛ فإن قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ هو خطاب لبني إسرائيل بما فضلهم الله تعالى به على عالَميْ زمانِهم، كما يقول العلامة السيوطي في تفسير الجلالين، وكما نص على ذلك مفسرو كتاب الله عز وجل: بأن المقصود أهل زمانهم؛ فهذا التفضيل هو عموم عُرفي كما يُقال، دلَّ عليه السياق.
ما المقصود بالعموم العرفي؟ أنهم مفضَّلون بنِعَم عددها الله تبارك وتعالى عليهم، ذُكِرت تفصيلًا وذُكِرت إجمالًا على أهل زمانهم. يتأكد هذا بما في كتاب الله تبارك وتعالى من قوله جل وعلا: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، فهنا يذكرهم موسى عليه السلام بالنعم التي بسطها الله تبارك وتعالى عليهم، ففضلوا بها على أهل زمانهم، فضلوا بها على العالمين في وقتهم.
فإن كان المقصود بالخطاب في سورة البقرة في قوله تبارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ إن كان المقصود بالخطاب الحاضرين زمن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فهو تذكير بالنعم التي كانت على آبائهم وسلفهم، وفيه إشارة إلى أن هذا التفضيل إنما هو من عند الله تبارك وتعالى، وهو تفضيل بما خصهم به ربهم تبارك وتعالى؛ فكما أنه فضَّلهم هو جل وعلا قادر على أن يفضِّل غيرهم؛ لينتبهوا لهذا المعنى: أنهم إن كانوا قد فُضِّلوا في زمانهم، وما كان تفضيلهم إلا لبعثة الأنبياء فيهم، واستجابتهم للأنبياء، فإنه جل وعلا يفضِّل مَن شاء بأن يبعث فيهم رسولًا، وبأن يبوِّئهم لقبول ما جاء به الرسول؛ فحتى ينتبهوا إلى هذا المعنى يخاطَبون بهذا الخطاب.
وإن كان المقصود هو حكاية ما كان –أي في قوله: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ﴾– إن كان المقصود هو حكاية ما خوطب به سلفهم، فإن المعنى أظهر في أن المقصود هو عالمي زمانهم؛ فإن غيرهم في ذلك الوقت لم يتلقَّ رسالة الرسل، وكانوا أَسْرَى لشهواتهم، ولأحوالهم الاجتماعية، ولظروفهم السياسية، بينما حُرِّر بنو إسرائيل من كل ذلك، وتوالت فيهم الأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم، وأتاهم من النِّعم ما لم يُؤتَ غيرُهم؛ أتاهم المنَّ والسَّلوى، وظلَّل عليهم الغمام، وأنعم عليهم بالعفو، وأراهم الآيات آيةً بعد آية، وتاب عليهم بعد عظيم الجرائم التي ارتكبوها، وبسط لهم في الأرض، وأوسع لهم في الرزق؛ فكل هذه من النِّعم التي فُضِّلوا بها على العالمين في وقتهم؛ هذا هو المقصود.
والله تعالى أعلم.
أما قوله تبارك وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فهو تفضيل على الإطلاق، تفضيل عمومي على وجهه؛ لأنه قال أولًا: استعمل كلمة (الخير): ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ﴾، وهناك التفضيل إنما هو بأمور معلومة يعلمها المخاطَب، وبيَّنها كتاب الله تبارك وتعالى، وهي التي تقدم ذكرها، أما هذا فهي خيريَّة على الإطلاق.
ثم إنه قال: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ﴾، فهذا يعني أنه ليس محصورًا بزمانهم، وإنما زمانهم يمتد امتداد رسالتهم، ولأن رسولهم هو سيد الأولين والآخِرين، خاتم الأنبياء والمرسلين، ولأن رسالته هي الرسالة الخاتمة؛ فإن هذه الخيرية ممتدة باقية في هذه الأمة إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها؛ لكن هذه الخيرية التي وُصفوا بها إنما هي بتحمُّلهم لهذا الميراث، مشروطة بتحمُّلهم لهذا الميراث، وأدائهم لحقوق هذه الرسالة التي جاء بها نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ولهذا الكتاب الذي أُكرِموا به.
والله تعالى أعلم.
مثل هذا التفضيل يَرِد لمريم عليها السلام أيضًا في القرآن الكريم...