مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تفضيل بني إسرائيل

كيف يُرد على من يستدل بقوله تعالى: «وَإِنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ» لإثبات أفضلية بني إسرائيل وكونهم شعب الله المختار؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن معنى قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ فإن المقصود بذلك هو عالم زمانهم، فيما فُضِّلوا به، فيما زيد لهم من فضل اختُصوا به عن غيرهم، عمّن سواهم من الأمم والشعوب. فلابد لنا أن نفهم أولًا أن المقصود بالعالمين هنا – وإن كان اللفظ في ظاهره لفظًا عامًا – إلا أنه عام أريد به الخصوص، والمقصود هو عالمي زمانهم. وما الذي فُضِّلوا به أيضًا؟ بيَّن لنا القرآن الكريم ما الذي فُضِّلوا به؛ فقد ذكر ربنا تبارك وتعالى جملة من المنن التي امتن بها على بني إسرائيل في قوله سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ مُوسَىٰ لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾، فهذا الامتنان الذي فُضِّلوا به إنما هو بكثرة الأنبياء فيهم، ثم بتحريرهم مما كانوا فيه من آثار الاسترقاق والاستعباد والتقتيل من فرعون وملئه، وتمكينهم من أمر أنفسهم، عند طائفة من المفسرين في قوله تعالى: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾. فأول نعمة ذكرها: أن جعل فيهم أنبياء، أي كثرة كاثرة من الأنبياء، ومعلوم أن أكثر الأنبياء إنما أُرسلوا في بني إسرائيل. ثم ذكرهم بنعمةٍ أخرى، وهي: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، وخاطبهم باعتبارهم جميعًا، خاطبهم جميعًا بأنهم صاروا ملوكًا، وهذا يشمل معنيين: المعنى الأول: أن جعل فيهم ملوكًا يسوسونهم، ويُحيون السنن فيهم، ويديرون لهم أمورهم وشؤونهم، ويرفعون لهم رايات الجهاد على أعداء الله تبارك وتعالى، ويقضون فيما بينهم في خصوماتهم، ومن هؤلاء الملوك من كانوا أنبياء كرامًا، صلوات الله وسلامه عليهم، كداود وسليمان. وقد ورد في أثر عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الإشارة إلى هذه النعمة في قوله عليه الصلاة والسلام: «كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم، كلما هلك نبي خلفه نبي»، فالذين كانوا يحكمون فيهم كانوا طائفة من الأنبياء، وهذه نعمة أخرى تُضاف إلى النعمة الأولى. ثم المعنى الآخر: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ حينما خاطبهم باعتبار مجموعهم: أنه مكنهم من نيل حريتهم واستقلالهم، ونجاهم من فرعون وبطشه، وآل سياسة شؤونهم إلى أنفسهم، فصاروا يملكون أنفسهم، يملكون دورهم، يملكون ما يحتاجون إليه، وهذا معنى أنهم صاروا ملوكًا، هذا معنى آخر من معنى أن الله تبارك وتعالى قد جعلهم ملوكًا؛ فالحرية مُلك، أي أن يتخلصوا من رقّ العبودية، فهذا التحرر في ذاته هو مُلك، لأن المَلِكَ يملك الأمر ويدبر الشأن ويسوس أحواله. ثم قال: ﴿وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ﴾. ونحن نعلم أن في سورة البقرة – لما خاطبهم الله تبارك وتعالى بقوله: ﴿اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ الَّتِي أَنْعَمْتُ عَلَيْكُمْ وَأَنِّي فَضَّلْتُكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ – فإنه ذكر لهم مننًا؛ منها أنه نجاهم من فرعون وملئه، ونجاهم من التقتيل والذبح، وأنه فَرَقَ بهم البحر ونجَّاهم من فرعون وجنوده، وأنه أنعم عليهم بالتوبة وقبل منهم توبتهم حينما عبدوا العجل، وحينما قالوا لموسى: أرنا الله جهره، فإن الله تبارك وتعالى امتن عليهم بأن قبل منهم التوبة، ثم بما أنزله على موسى من التوراة والهدى والبيِّنات، ثم بتظليل الغمام، وبإنزال المنّ والسلوى. كل هذه إنما كانت من النعم التي فُضِّلوا بها على من سواهم من شعوب ذلك الزمان وأُممه. وهنا ملحظ – بعد بيان معنى التفضيل – هو أن هذا الخطاب في الحقيقة لم يكن في سياق الامتداح، وإنما كان في سياق التوبيخ والتقريع؛ أن الله تبارك وتعالى فضَّلهم على سائر الأمم في ذلك الوقت، في ذلك الزمان، ومنَّ عليهم بهذه المنن، فكان الأجدر بهم أن يُذعنوا لأنبيائه ورُسُله، وأن يُخلِصوا عقيدتهم لله تبارك وتعالى، وأن يطيعوا الله جل وعلا، ولكنهم مع كل ما فُضِّلوا به، ومع كل ما أوتوه من نعمٍ على غيرهم، إلا أنهم كانوا يُصرُّون على المعصية والانحراف، فوبَّخهم وقرَّعهم. ولذلك هذا الخطاب: ﴿يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ اذْكُرُوا نِعْمَتِيَ﴾، التذكير بأنهم من ذرية إسرائيل، وهو نبي كريم، يعقوب عليه السلام، هذا فيه قدر من التوبيخ والنذارة والتقريع. ثم إننا إذا نظرنا إلى آيات كتاب الله عز وجل – لأن الظاهر أن السائل يريد جوابًا لمن كان في قلبه مرض، ممن ينتسب إلى هذه الأمة، ويحتج أنهم شعب الله المختار، وأنهم مُفَضَّلُون بمثل هذه المواضع في كتاب الله عز وجل – أما وقد تبيَّن معناها، فلننظر ما الذي يشتمل عليه أيضًا القرآن الكريم مما يتعلق بأوصافهم؛ فإن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، هذا زعمهم، هذا نص في الموضوع، ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾ ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾، ربنا تبارك وتعالى يعلِّمُ نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، ويعلِّمُنا: كيف نرد عليهم؟ ببيان ما يقرُّون به ويعترفون من أن الله عز وجل قد أذاقهم صنوفًا من العذاب؛ فكيف إن كانوا هم الشعب المختار، وأنهم أحباء الله عز وجل وأبناؤه، كيف يعذبهم؟ ولذلك حكى زعمهم الباطل: ﴿وَقَالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصَارَىٰ نَحْنُ أَبْنَاءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ﴾، أيضًا في سياق التوبيخ والتقريع، ثم بيَّن الجواب بقوله: ﴿قُلْ فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ﴾، ثم يؤكد الحقيقة: ﴿بَلْ أَنْتُمْ بَشَرٌ مِمَّنْ خَلَقَ﴾؛ لا صلة بينكم وبين الله تبارك وتعالى إلا بالإيمان والعمل الصالح، لا سبب بينكم وبين الله تبارك وتعالى تمتازون به عن غيركم إلا بطاعتكم لأنبيائه تبارك وتعالى والانقياد له. في موضع آخر يذكر ربنا تبارك وتعالى – أو يكشف لنا – أنهم في حقيقة الأمر بانحرافهم عن منهج الأنبياء والرسل الذين بُعثوا فيهم، وبُعدهم عن طاعة الله تبارك وتعالى، استحقوا الطرد من رحمة الله عز وجل، حينما قال: ﴿لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾ ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾؛ فليس الحديث عمّن كفر بالله فقط، وإنما هؤلاء الذين عصوا واعتدوا سماهم الله تبارك وتعالى أنهم كفروا، أي كفروا نعمة الله عز وجل عليهم، واستحقوا اللعن، وهو الطرد من رحمة الله. وهذا في بيان هؤلاء، وأن هذا الطرد من رحمة الله تبارك وتعالى كان سمةً غالبةً فيهم؛ لأنه قال: ﴿عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، وإلى اليوم مزامير داود هي أكثر ما فيها اللعن والطرد والتعذيب والوعيد على بني إسرائيل، مما هو موجود في التوراة والإنجيل إلى يومنا هذا، ويذكر المفسرون جملةً من الزَّبور التي فيها نصوص اللعن والطرد، كما قال ربنا تبارك وتعالى: ﴿عَلَىٰ لِسَانِ دَاوُودَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ﴾، ثم قال: ﴿ذَلِكَ بِمَا عَصَوْا وَكَانُوا يَعْتَدُونَ﴾، ﴿كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ﴾. إذاً بهذا يتبين لنا معنى هذا التفضيل، وأنه لا يعني الخيرية أبدًا، وإنما هو في سياق التوبيخ والتقريع، وأن ما فُضِّلوا به دليل على عظيم نعمة الله تبارك وتعالى عليهم، ولكنهم ما وضعوا هذه النعمة موضعها؛ فكانوا يقتلون الأنبياء، يخونون العهود، كلفوا دينهم شططًا، أعرضوا عما أُمروا به، واحتالوا فيما أُمروا به، وحكى لنا كتاب ربِّنا كل هذه المواقف والمشاهد عنهم مما لا يتسع الحديث لذكره الآن...
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ١‏/١‏/٢٠٢٤👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - ليلة 18 جمادى الآخرة 1445 هـ

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

تفضيل بني إسرائيل والأمة

2 👁

في قوله تعالى عن بني إسرائيل: وإني فضلتكم على العالمين، وقوله عن أمة محمد: كنتم خير أمة أخرجت للناس؛ هل يعني أن بني إسرائيل فُضّلوا حتى على أمة محمد؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٩‏/٣‏/٢٠٢٣

تفضيل بني إسرائيل والأرض المقدسة

0 👁

هل تفيد آية (يا قوم اذكروا نعمة الله عليكم ... وأتاكم ما لم يؤت أحداً من العالمين ... ادخلوا الأرض المقدسة التي كتب الله لكم) أن الله فضل بني إسرائيل وجعل لهم أحقية دينية وتاريخية في الأرض المقدسة (القدس)؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٢‏/٦‏/٢٠١٧

تفضيل بني إسرائيل وخيرية الأمة

2 👁

كيف نوفق بين قوله تعالى في بني إسرائيل وأني فضلتكم على العالمين وقوله عن أمة محمد كنتم خير أمة أخرجت للناس؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٥‏/٤‏/٢٠٢٢

سبب تفضيل بني إسرائيل

2 👁

لماذا استحق بنو إسرائيل هذه الفضائل الواردة في الآيات حتى فُضّلوا على العالمين الذين يحيطون بهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٢‏/٦‏/٢٠١٧

تفضيل أمة عيسى

2 👁

هل قوله تعالى: «وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا…» يدل على أفضلية أمة عيسى عليه السلام حتى على أمة محمد صلى الله عليه وسلم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٦‏/٣‏/٢٠٢٣

سبب عكوف بني إسرائيل

2 👁

كيف يُفسَّر لجوء بني إسرائيل إلى عبادة الأصنام بعد نجاتهم من فرعون ورؤية البراهين على صدق موسى عليه السلام؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠