⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. اللهم افتح لنا أبواب رحمتك، وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت الأعز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد؛ فالجواب: لا، لا يؤخذ من هذه الآية الكريمة أفضلية أمة عيسى ومن اتبعوه على هذه الأمة.
إذ إن معنى الآية الكريمة كما يدل عليه لفظها وسياقها هو أن من اتبع عيسى عليه السلام، وهم الحواريون والذين اتبعوه، هم فوق الذين كفروا بعيسى، ولهذا فقد صرح المفسرون بأن هذا الذي يتعلق به الفعل محذوف لظهوره وللعلم به، فهم الذين كفروا بعيسى عليه السلام، وهم اليهود.
فالسياق سياق المفاصلة بين عيسى عليه السلام وأتباعه من جانب، واليهود الذين كفروا به وبرسالته من جانب آخر؛ فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَىٰ إِنِّي مُتَوَفِّيكَ وَرَافِعُكَ إِلَيَّ وَمُطَهِّرُكَ مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ هؤلاء الذين يحاولون تدنيسك، نشر الأكاذيب حولك وحول رسالتك، هم الذين سأطهرك منهم، ومن أقوالهم، ومن تزويرهم، وما ينسبونه إليك، ثم قال: ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ أي: فوق الذين كفروا بك ﴿إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ﴾.
واختلف في هذه الفوقية: هل هي فوقية دينية أو فوقية دنيوية؟ والمقصود بالفوقية الدينية: أن أتباع عيسى عليه السلام يكونون أصلح حالًا، وأكثر استقامة، وأحسن خلقًا، أكنَافًا، وهذا يعني ما يتعلق بالمعاني الروحانية الدينية، فالفوقية عند هؤلاء المفسرين محمولة على هذا الجانب، أعني: الجانب المعنوي الإيماني.
ومنهم من يقول بأن الفوقية هي فوقية دنيوية، بمعنى القهر والغلبة والسلطة والسيف مع الحجة والبرهان، فدنيوية، أي مادية فكرية، مادية علمية معرفية، ولذلك قالوا: بالسيف والحجة، بالسيف والبرهان.
لكن لا مانع من أن يكون المقصود الأمران، أن يكون المقصود الأمرين معًا: أي الفوقية الدينية والفوقية الدنيوية.
ومن الذين اتبعوا عيسى عليه السلام: هم الذين آمنوا به، وقد آمنت به هذه الأمة؛ آمن به محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وآمن به من آمن بمحمد عليه الصلاة والسلام، ومن آمن بالقرآن الكريم.
ولذلك تجد أن المفسرين يصرحون بهذا؛ منهم من يحملها مباشرة، أي: من يحمل ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾، يحمل أتباع عيسى عليه السلام على هذه الأمة، ومنهم من يقول: بل هم أتباعه من الحواريين والذين آمنوا به من بني إسرائيل، ثم من آمن به من هذه الأمة: محمد صلى الله عليه وسلم وأمته، لأن شريعة نبينا محمد عليه الصلاة والسلام نَسَخت شريعةَ عيسى عليه السلام، وإيماننا بعيسى إنما هو بما ثبت من وصفه ورسالته وأحوال نبوته ورسالته في كتاب الله عز وجل، في القرآن الكريم؛ فهو عبد الله، وهو رسوله.
من أجل ذلك –يعني حتى أختم– نفهم قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذْ قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ يَا بَنِي إِسْرَائِيلَ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُم﴾، ﴿فَإِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا﴾، ﴿مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيَّ مِنَ التَّوْرَاةِ﴾، ﴿وَمُبَشِّرًا بِرَسُولٍ يَأْتِي مِنْ بَعْدِي اسْمُهُ أَحْمَدُ﴾ [الصف: 6]. هكذا أخبرنا القرآن؛ فاتباعه آمنوا بهذه البشارة، ونحن نؤمن بعيسى الذي بشَّر بمحمد صلى الله عليه وآله وسلم.
ولذلك فإن الذين آمنوا به هم أتباعه من الحواريين، ومن مؤمني بني إسرائيل، ثم من هذه الأمة بما جاء من وصفٍ له ولرسالته ولنبوته ولطبيعته في كتاب الله عز وجل في القرآن الكريم، فهذا هو المعنى.
ويتأكد بما أيضًا تقدمت الإشارة إليه من أن عيسى عليه السلام بُعث في بني إسرائيل؛ فهذا القول –فيما أذكر– أشار إليه الإمام الرازي، ونص عليه أيضًا العلامة ابن عاشور: أن حتى هذا التفضيل ﴿وَجَاعِلُ الَّذِينَ اتَّبَعُوكَ فَوْقَ الَّذِينَ كَفَرُوا﴾ –يقول– لا يُؤخذ من الآية إلا بالمفهوم، لا بالمنطوق، تفضيل أمته على عموم المشركين؛ لأن المقصود هم الذين كفروا بعيسى، وهو قد بعث في بني إسرائيل، فدل على أن المقصود اليهود، واليهود يؤمنون بالله، لكنهم يكفرون برسالة عيسى عليه السلام.
فدل على أن المقصود هم اليهود، ودل على أن الفوقية يستحقها الذين آمنوا به من بني إسرائيل: من الحواريين ومؤمني بني إسرائيل، ومن هذه الأمة، وأن يكون ذلك في حياته إلى بعثة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، وبعثته يكون هو حامل ميراث النبوات قبله، وهو الذي عرَّفنا بالأنبياء والرسل قبله عليه الصلاة والسلام بما أوحي إليه في كتاب الله تعالى، وشريعته ناسخة لشرائع من تقدمه من الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام، وبهذا يتضح المعنى، والله تعالى أعلم.