⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، ليس هذا الفهم بصحيح، بل هو فهم سقيم، وهو ليٌّ لآيات الكتاب العزيز.
حينما قال الله تبارك وتعالى على لسان موسى عليه السلام: ﴿يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ﴾ هذا في سياق الامتنان، فموسى عليه السلام الآن في سياق مخاطبته لقومه مذكِّرًا إيَّاهم بالنِّعَم التي امتنَّ الله عز وجل بها عليهم، وذكر ثلاث نِعَم، هذه النِّعَم ابتدأها بقوله: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ ثم قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ ثم قال: ﴿وَفَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾، النعمة الأولى: ﴿إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾، فموسى عليه السلام الذي يخاطبهم ويبلغهم هو نبي كريم، وهم يعلمون ذلك ويعظِّمونه، ومعه أخوه هارون.
وقيل: بأنه في وقته، في وقت موسى، هناك الكثير من الأنبياء، وبعد موسى، وهو يُهيِّئهم لما سيكون عليه حالهم، يذكرهم بنعَم الله عز وجل عليهم الممتدَّة؛ ولذلك كما نفهم من كتاب الله عز وجل نجد أن أكثر الأنبياء إنما بُعِثوا في بني إسرائيل، ولذلك ورد كثيرًا دائمًا معاتبتهم بإعراضهم عن أنبيائهم: ﴿أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ﴾، ففريقًا كذَّبتم وفريقًا تقتلون، وكلمة «كلما» توحي باستمرار بعث الله عز وجل لهم الأنبياء والرسل تترى؛ هذه هي النعمة الأولى.
النعمة الثانية: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، وكلمة «ملوك» أشكلت على بعض المفسرين، مع أن أصلها اللغوي تعني من يملك أمره، من هو مستقلٌّ حرٌّ متصرف في شؤون نفسه وأهله؛ هذا من المعاني اللغوية لكلمة الملك، وهو يذكرهم بذلك لأنهم كانوا مستعبَدين أرقَّاء عند فرعون مصر، فيذكرهم بأن أعطاهم حريتهم، وأن هذه الحرية التي حَظُوا بها هي من أعظم النِّعَم، إذ استقلوا في تدبير شؤونهم وفي رعاية أحوالهم والنظر في مصالحهم، في وقت كانت شعوب غيرهم فيه تئن تحت نير الاسترقاق والعبودية.
وقال بهذه الصيغة: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، مع أنه قال: ﴿جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ﴾ ثم قال: ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾، ولا يُعقَل –بالمفهوم الذي يمكن أن يتبادر إلى أذهان كثير من الناس– أنه نصَّبهم حكَّامًا أن يكونوا جميعًا حكَّامًا؛ فمن المحكومون إذاً؟ ولذلك فمعنى ﴿وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا﴾ هو المعنى المتقدم.
وجاءت متوسطة بين النعمتين المتقدمة والمتأخرة لإظهار أهميتها، لأن أمر الاستقلال والحرية والخلاص من العبودية والتمكُّن من إدارة شؤونهم وتدبير أحوالهم ورعاية مصالحهم كان من أعظم النِّعَم التي امتنَّ الله عز وجل بها عليهم بعد ما أرسل إليهم الأنبياء والرسل.
﴿وَفَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾ النعمة الثالثة، أي: فضَّلكم على عالم زمانكم ومكانكم، لا على العالمين على الإطلاق؛ فأنتم –بما تقدَّم من نِعَم وبنِعَم أخرى تعرفونها وهو يذكرهم بها– فأنتم أفضل أهل زمانكم، المفترض: أنتم أفضل أهل هذا الزمان وأهل هذه الأرض التي أنتم فيها.
ما هي مكانة التفضيل لو أردنا –ولو إجمالًا–؟ فقد أنزل الله تبارك وتعالى عليهم المنَّ والسلوى، وظلَّل عليهم الغمام، وآتاهم الكتاب، ومكَّن لهم في الأرض؛ هذه كلها من النِّعَم التي فُضِّلوا بها على سائر الأمم والشعوب من –كما تقدم– عالمي زمانهم ومكانهم، من عالمي شعوب ذلك الوقت في ذلك الزمان.
الآية التي جاءت بعدها هي مرتَّبة مبنية على هذه الآية المتقدمة؛ فإن هذا الامتنان عليهم هيَّأ لتكليفهم بأمر رباني على لسان موسى عليه السلام حينما قال لهم: ﴿يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ﴾، والآية واضحة الدلالة؛ أي: بعد هذا الامتنان وجب عليكم الآن السمع والطاعة.
فهذا إنما هو تكليف من الله تبارك وتعالى على لسان موسى بأن يدخلوا الأرض المقدسة التي كتبها الله تبارك وتعالى، كتب لهم دخولها، ألزمهم بدخولها؛ هذا هو المقصود.
والله تعالى أعلم.