⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، هذا لا يمكن إخراجه من الملة؛ لأنه ترك الصلاة تهاونًا، ولم يتركها جحودًا؛ لو أنه جَحَد فرضيتها في هذا الدين فهذا باب آخر، لكن أغلب الناس إنما يتركونها تهاونًا، ومن ذلك فهم من أهل القبلة الذين تَسري عليهم أحكام المسلمين، وهذا فرقٌ ما بين المشرك والموحِّد.
اختلف: مسلمٌ أشرك ساعة –كما في الحديث– ثم تاب وعاد إلى هذا الدين وجدد الإيمان، وكان في إسلامه الأول قد أدى الحج؛ هل يلزمه أن يؤدي الحج مرة أخرى بعد توبته وعودته إلى هذا الدين أم لا؟ وهؤلاء الذين ألزموه بإعادة الحج إنما نظروا إلى كون الحج واجبًا في العمر مرة واحدة، أي في إسلام المسلم مرةً واحدةً في العمر، وقد نُقِض ذلك وهُدِم بخروجه عن الدين.
وأما غيرهم ممن لا يرون وجوب إعادة الحج في إسلامه التالي فإنهم نظروا إلى عموم هذا الحديث النبوي الشريف الذي لم يُلزمه بشيءٍ من الأعمال طالما أنه عاد إلى هذا الدين.
وفي هذا الحديث مَلحَظٌ لعله يخفى على بعض الناس، وهو أن بعض الناس –هداهم الله تعالى– حينما يرتكبون خطأً أو مخالفةً شرعية، فإنهم –جهلًا منهم– يتمادون ويقولون: ما الذي ينفعني أن أحافظ على الصلاة، أو أن أصوم، أو أن أبر والدي، أو أن أحافظ على أخلاق هذا الدين، أو أن أزكي، أو أن أتصدق، طالما أنه متمرغٌ في أوحال رذيلةٍ من الرذائل.
لكن الفارق إنما يظهر في جملة أمور، منها ما يشير إليه هذا الحديث النبوي الشريف المتقدِّم؛ فمن ذلك أنه ما من مسلمٍ إلا وهو راغب في ثواب الله تعالى، وهو راجٍ لأن يتداركه الله عز وجل بلطفه، فيأتي إليه نادمًا تائبًا مستغفرًا، وحينئذٍ سيُحسَب له العمل الصالح الذي كان، وفضل الله تعالى واسع، ورحمته غامرةٌ شاملة؛ فحينئذ تكون الحقوق التي عليه خفيفة؛ سواء كانت حقوقًا للعباد أو كانت حقوقًا لرب العباد جل وعلا.
وأما الملحظ الآخر فهو أن ارتكاب المسلم للمعاصي يَطمس نور الهداية عن قلبه، ويُغَلِّف هذا القلب بالرَّان الذي يغشاه، ثم بعد ذلك يحول بينه وبين أنوار الهدايات؛ وكلما ازدادت المعاصي التي يرتكبها هذا العبد تزداد هذه الغشاوات التي تكون على القلب، بينما إذا ما ندم وأقبل على الله تبارك وتعالى وأكثر من الصالحات وأتى الحسنات، فإنه في هذه الحالة يُبقي لنفسه بقيةً يمكن من خلالها أن ينفذ نور الحق والهدى إلى قلبه.
وهذا من الملاحظ التي نجدها أيضًا في قول الله تبارك وتعالى –وهي مبثوثةٌ كثيرًا في كتاب الله عز وجل– حينما نجد أن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾ [الأنفال: 24]، ثم يقول: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾ [الأنفال: 24]؛ لأن القلب هو مستودَع الهدايات.
فإذا ما تمرغ المرء في أوحال الرذائل والمعاصي، وانغمس في الشهوات، فإنه –كما قال الله عز وجل–: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [المطففين: 14]، وأشار حديث من أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله: «إن العبد كلما أذنب فإنه يُنْكَتُ في قلبه نكتةٌ سوداء، فإن تاب زالت، وإلا تكاثرت حتى يعلوه الران»، ثم تلا هذه الآية الكريمة من سورة المطففين.
فمن أجل ذلك ينبغي للمسلم أن يتنبَّه إلى هذا المعنى، وأن يتفقَّد أحوال قلبه، وأن يفسح المجال لقلبه ونفسه وروحه في انتهاج هذه الفرص الإيمانية والمناسبات التي تبعث فيه الإيمان، وتحثه على التوبة والاستغفار وذكر الآخرة، والمنقلب الذي يؤول إليه هذا الإنسان، وأن يترك التمادي في الغي والضلال واتباع الشهوات.
والله تعالى أعلم.