⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الوصية أنواع: منها ما هو واجب، ومنها ما هو مستحب، ومنها ما لا يخرج عن دائرة المباح، نعم.
أمّا الوصية الواجبة –حديثُنا هنا عن غير الحقوق التي تجب عليه للناس، غير الديون التي تجب عليه للآدميين– فهذه لا كلام فيها، وإخراجُنا إيّاها إنما هو حملًا على أن لها وثائق تُثبتها عليه عند أصحابها، كما هو شأن أغلب الديون اليوم، والذي يُفهَم من سياق السؤال أنه لا يسأل عن الوصية بالديون الواجبة عليه، وإنما يسأل عن الوصية فيما يتعلّق بحقوق الله تبارك وتعالى، وما هو واجبٌ عليه الإيصاءُ به.
فالإيصاء للأقربين –إن كان له شيء يمكن أن يوصيَ به– واجبٌ، لقول الله تبارك وتعالى: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمْ إِذَا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ إِن تَرَكَ خَيْرًا الْوَصِيَّةُ لِلْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ﴾ [البقرة: 180]، فنسخ حكمُ الإيصاء للوالدين بما يتعلّق بآيات المواريث، نعم، وبقول رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: «إن الله قد أعطى كلَّ ذي حقٍّ حقَّه، فلا وصيةَ لوارث»، وبقي حكمُ الإيصاء للأقربين، وعليه يُحمَل قولُ رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما حقُّ امرئٍ مسلمٍ له شيءٌ يُوصي فيه يبيتُ ليلتين أو ثلاثًا إلا ووصيتُه مكتوبةٌ عند رأسه».
إذًا الوصية للأقربين وصية واجبة، وحقوقُ الله تبارك وتعالى محلُّ خلافٍ عند أهل العلم: هل الإيصاءُ بها واجبٌ أو ليس بواجب؟ والظاهر أن ذلك من الواجبات أيضًا؛ للروايات المتوارِدة من نحو قوله عليه الصلاة والسلام –فيما معناه–: «فدينُ الله أحقُّ أن يُقضى»، فدلّ على أن ما كان من حقوقٍ لله تبارك وتعالى فإنه أحقُّ أن يُؤدَّى مما هو من حقوق الآدميين، وذلك يدخل فيه حجة الفريضة إن كان مستطيعًا، قادرًا عليها؛ يعني كان مستطيعًا في نفسه وماله، ولكنه سوَّف وأخّر حتى لم يجد سبيلًا إلا أن يوصي، فإن عليه أن يوصي.
هذا لا يعني جواز أن يؤخّر فريضةَ الحج عند تحقّق شروطها عنده؛ كان يكون قادرًا على أداء الحج: أي القدرة البدنية والمالية؛ فهذا لا يسوغ له أن يؤخّر أداء الحج من تلقاء نفسه، أن يسوّف أو يؤجّل عامًا بعد عام؛ إن كان المانع أو الحابس الذي يحبسه إنما هو لأمر خارجي –كما نعلم اليوم، وهو المحاصَصة في الحصص في الذهاب لأداء الحج– فهذا بابٌ آخر، لكنه مع ذلك إن فاته فإن عليه أن يوصي به؛ فهذا من حقوق الله تبارك وتعالى.
وكذا يُقال فيما يتعلّق بما عليه من كفّارات واجبة، أو ما عليه من نذور لم يؤدِّها؛ فإن هذه من الحقوق الواجبة التي عليه أن يكتبَها في وصيته؛ هذه أداؤها من رأس المال، لا يكون من الثلث؛ الذي يكون من ثلث ما يتركه الميت إنما هو وصايا القُرُبات، أي النوافل التي يريد أن يتقرّب بها إلى الله تبارك وتعالى؛ فإن الله عز وجل قد تفضّل على عباده بثلث أموالهم تقرّبًا إليه سبحانه وتعالى، فالثلث يوصون به في وجوه البر والإحسان.
فإن حصل وتزاحمت هذه الوصايا الدائرة في الثلث –وصايا النفل، وصايا القُرُبات– فإنها تُحاصَص لتُرَدَّ إلى الثلث، إلا بإجازة من الورثة إن كانوا بالغين راشدين؛ فإن كان فيهم قاصر فإنها تكون في أموال الراشدين الذين يجيزون تنفيذ الوصية فيما زاد عن الثلث.
أمّا حقوق الله تبارك وتعالى فالأصل –طالما أنها جُعلت أعظم في القضاء، في الأداء، من حقوق الآدميين– أنها تكون من رأس المال، أي من أصل التركة قبل القسمة، والله تعالى أعلم.