⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا باب رحمتك وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم، وأهلنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد:
فهنا مسألتان، الجواب عن المسألة الأولى باختصار، وهي المسألة المتعلقة بمعنى الذكر، وقد أشار إليه السائل نفسه فيما ذكره من علو منزلة الذكر في كتاب الله عز وجل وفي سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، فإن الله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللهَ ذِكْرًا كَثِيرًا * وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا﴾ [الأحزاب: 41-42]، وأثنى على خصال من خصال المؤمنين الأتقياء، وذكر من هذه الخصال: ﴿وَالذَّاكِرِينَ اللهَ كَثِيرًا وَالذَّاكِرَاتِ﴾ [الأحزاب: 35]، وأمر بذكره في مواضع كثيرة من كتاب الله عز وجل، وكذا الحال في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
ونجد أنه عليه الصلاة والسلام كان كثير الذكر لربه جل وعلا، وبيان ما كان عليه حال رسول الله صلى الله عليه وآله، فإنه يتبين لنا معنى الذكر إن كان هناك من يستشكل معنى الذكر. نعم، فإن رسول الله صلى الله عليه وآله عليه الصلاة والسلام كان يكثر من الاستغفار حتى إنه ليستغفر أكثر من سبعين مرة في اليوم والليلة، وكان يكثر من أنواع الذكر من تسبيح وتحميد وتهليل وتكبير في مختلف المواضع، عند – أو قبل – طلوع الشمس وقبل غروبها، وعند تغير الأحوال، وفي أدبار الصلوات، وكان يكثر من تلاوة كتاب الله عز وجل آناء الليل وأطراف النهار، وكان يكثر من الضراعة والدعاء لله عز وجل.
هذه كلها أنواع الذكر التي أرشدنا إليها ربنا تبارك وتعالى إجمالا، ولهذا صنف أهل العلم الكثير من الكتب، وسطروا الكثير من الدواوين في الأذكار، مما كان من كتاب الله عز وجل أو من سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام.
فإذا الذكر الأصل فيه أنه ذكر باللسان، والمقصود من ذلك هو تذكُّر القلب وانتعاش الفكر، فهو ليس ذكرا خاليا من معناه وروحه، بل هو ذكر يكون المقصود منه أن يستحضر الذاكر إجلالَ الله تبارك وتعالى وتعظيمه وهيبته، ورجاء ما عنده، والخشية مما عنده، وأن يطهِّر قلبه بما أرشده إليه ربه تبارك وتعالى من صنوف الذكر، وأن يسد الباب أمام وساوس الشيطان وأمام الخواطر والأوهام التي يمكن أن تغتال هذا القلب فتصرفه وتميل به عن جادة الصواب؛ فيسد الباب أمام هذه الوساوس والأوهام بأن يشغل قلبه ولسانه بذكر الله تبارك وتعالى.
هذا هو المقصود بالذكر: فهو ذكر باللسان، وهو تذكُّر بالقلب، وتفكر بالعقل. نعم، ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَىٰ جُنُوبِهِمْ وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هٰذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾ [آل عمران: 191].
أما المسألة الثانية التي سئل عنها، وهي قوله – بل إن الله تبارك وتعالى – نعم، في هذا السياق سأل: هل القرآن من الذكر؟ نعم، القرآن من الذكر، بل إن الله تبارك وتعالى سمى القرآن ذكرا، قال: ﴿إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ﴾ [الحجر: 9]، فالقرآن ذكر، وأيُّ ذكر! هو كلام الله تبارك وتعالى الذي أنزله لنخاطبه به، وهو موعظة وهدى وشفاء ورحمة، فهو خير ذكر على الإطلاق.
والصلاة ذكر؛ لأن الله تعالى يقول أيضا في كتابه الكريم: ﴿وَأَقِمِ الصَّلَاةَ لِذِكْرِي﴾ [طه: 14]، وهي ذكر كما هو شأن القرآن بالمعنى المتقدم، وهو الذكر الذي يصحبه خشوع قلب، وحضور نفس، وسكينة نفس، مع تدبر في المعاني، ومع تعلق بالله تبارك وتعالى رغبةً ورهبةً، هذا هو المقصود بالذكر، وسبيل ذلك هو أن يكون لسان المرء رطبا بذكر الله تبارك وتعالى.
أما المسألة الثانية – وهي معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ وَلَّوْا عَلَىٰ أَدْبَارِهِمْ نُفُورًا﴾ [الإسراء: 46] – فإن المقصود من ذلك هو ما عليه حال المشركين من أهل الجاهلية، نعم، أنهم كانوا إذا ذكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – فيما يتلقاه من وحي الله عز وجل – اللهَ جل وعلا وحده، ولم يذكر آلهتهم، فإن قلوبهم تشمئز من ذلك، ويولون الأدبار نفرةً من هذا الوحي الذي أنزله الله تبارك وتعالى على رسوله صلى الله عليه وآله، وإعراضا عنه؛ لأنه لم يعظِّم لهم آلهتهم، ولم يذكرها بشيء، بالرغم من أن عدم الذكر لا يلزم التحقيرَ والتوهينَ والتضعيفَ.
لكن كلمة ﴿وَحْدَهُ﴾ تدل على هذا المعنى في الآية الكريمة ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾، فهي حال تدل على أن هذا الذكر مقتصر على ذكر الله تبارك وتعالى الإلهِ الواحدِ الخالقِ المستحقِّ للعبادة وحده دون ما سواه. نعم، فسواء قلنا بأن ﴿وَحْدَهُ﴾ هنا: أن يُذكر الله تبارك وتعالى إلها واحدا خالقا مستحقا للعبادة دون سواه، فلا تُذكر آلهتهم التي كانوا يطمعون أن تُذكَر تعظيما لها وذكرا لها وإعلاء من شأنها، أو قلنا بأن ﴿وَحْدَهُ﴾ تدل على حقيقة ﴿وَإِذَا ذَكَرْتَ رَبَّكَ فِي الْقُرْآنِ وَحْدَهُ﴾ توحيدا له جل وعلا؛ فمن باب أولى أن يكون المعنى نفيَ ما سواه، نعم، فهو جل وعلا واحد في ذاته وصفاته، وهو وحده المستحق للعبادة، وكل ما سواه باطل.
فمن أجل ذلك كان هؤلاء المعارضون ينفرون من ذكر الله تبارك وتعالى وحده في القرآن الكريم، فيما يتلوه عليهم صلى الله عليه وآله وسلم مما يوحى إليه، فيعرضون ويولون الأدبار، وتشمئز قلوبهم لأنهم يكفرون بالله تبارك وتعالى، فهذا هو المقصود.
والله تعالى أعلم.