⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، هذا غير صحيح.
هناك أحوال حصل فيها أن أجيب دعاء المستسقين، المستغيثين بالله تبارك وتعالى حال استسقائهم وتضرعهم لله تبارك وتعالى، لكن ليس من شروط الاستسقاء إجابة دعاء الداعين في لحظتهم تلك، ولم يذكر هذا أحد من أهل العلم.
فالاستسقاء دعاء بطلب السقيا والغيث من الله تبارك وتعالى إثر الجَدْب والقحط الذي يصيب الناس، فتتضرر حياتهم في أنفسهم وفي زروعهم وثمارهم، وفي مواشيهم وحيواناتهم، وفي كل مظاهر حياتهم، فحينئذ يندب لهم أن يتضرعوا إلى الله تبارك وتعالى بطلب السقيا.
وقد بينت سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم كيف يكون الاستسقاء، وهو بأن يخرج الناس إلى المصليات التي تكون في الصحاري والقفار، وهم متذللون خاشعون، راجون لما عند الله تبارك وتعالى، وأن يخرجوا ما عسى أن يكون فيه إظهار لرحمات الله تبارك وتعالى بما يظهرونه له جل وعلا من ضعف في أنفسهم وأهليهم وعيالهم، وفي مواشيهم، فيخرجونها؛ لأنهم يظهرون افتقارهم إلى الله تبارك وتعالى، ويبدون له سوء حالهم؛ فإن في ذلك مظنةً لإجابة دعائهم ولتلطف الله تبارك وتعالى المولى الكريم بهم.
وقبل أن نأتي إلى الأفعال، فإن هذا الفعل نفسه كافٍ لدعوة كل أحد إلى الخروج؛ فإن كان مستور الحال فعليه أن يحسن ظنه بربه تبارك وتعالى، وإن كان متلبسا بشيء من المعاصي والآثام فإن في خروجه واستغفاره ودعائه مع الداعين سببا في طلب التوبة والمغفرة من الله تبارك وتعالى، مما لا ينبغي له أن يفوته، فإن خرج بهذه النية فإنه يكون سببا لإجابة الدعاء؛ لأن الله تبارك وتعالى يحب من عباده أن يتوجهوا إليه بالدعاء وأن يتضرعوا إليه، ويحب من عباده أن يقبلوا إليه منيبين مستغفرين، وينعم عليهم حينئذ بألطافه ومننه وأفضاله جل وعلا.
فلا ينبغي لهم أن يسيئوا الظن بربهم جل وعلا، ولا يعني هذا أن يخرجوا وهم في عتوٍّ وغرور وتكبر؛ فإن أمثال هؤلاء نص الفقهاء على أنه لا ينبغي لهم أن يُدعَوا إلى الخروج إن كان قد عُلِم من حالهم المجاهرةُ والعتوُّ والغرورُ والاستكبارُ أو الاستهزاء، وإنما يُدعون إلى التوبة؛ فإن أقبلوا على الله تبارك وتعالى تائبين مستغفرين فإنهم ضيوف للرحمن الرحيم، لا يملك أحد أن يمنعهم، ولا ينبغي لأحد أن تحدثه نفسه بأنه أضعف من غيره، وأن صلاة الاستسقاء لا يخرج إليها إلا الكُمَّلُ الأتقياءُ والصالحون؛ لا، لا، عليه أن يحسن ظنه في ربه تبارك وتعالى.
وإظهار الضعف منه، وإظهار الرغبة في التوبة والاستغفار وإصلاح الأحوال، وأن يأخذ الله تبارك وتعالى بيد هذا العبد إلى الصراط المستقيم، وأن يعينه على الثبات، نعم، هذا ما يستحضره المصلون. ولذلك لا يصح، لا ينبغي لهم أن يقللوا من أهمية الاستسقاء، أو أن يسيئوا الظن – كما تقدم – في ربهم جل وعلا، أو أن يعوِّلوا أن غيرهم من أهل الصلاح والتقوى هم أولى منهم بهذا؛ فعلى الجميع أن يخرجوا.
وأن يخرجوا معهم – هكذا دلت السنة أيضا – ضعفتُهم؛ لماذا يخرجون معهم الضعف؟ لأنهم سبب لاسترحام الله تبارك وتعالى، سبب لتحقق ما يرجونه من نزول الغيث ومن رحمة الله تبارك وتعالى بهم.
ثم بعد ذلك يصلون ركعتين، يصلي بهم الإمام في المصلَّى، واستحب كثير من الفقهاء أن يقرأ في الأولى بسورة الأعلى، وفي الثانية بسورة الغاشية، وإن قرأ بما تيسر فذلك مجزئ إن شاء الله تعالى، ثم يخطب فيهم مذكِّرا وواعظا بما يناسب المقام، ويكون ذلك في نفس وقت صلاة الأعياد؛ الأصل أن يكون بعد طلوع الشمس بالقدر الكافي لأداء الصلوات من صلاة الضحى ومن صلاة الأعياد، فكذلك وقت الاستسقاء.
ثم بعد الموعظة التي يذكرهم فيها بافتقارهم إلى الله تبارك وتعالى وبأهمية أن يستغفروا إلى الله تعالى منيبين، وأن يذكرهم بما يرغبهم فيما عند الله عز وجل دنيا وأخرى، نعم، وأن ينبههم إلى ما وقعوا فيه مما يمكن أن يكون مسخِطا لله عز وجل أو مجلِبة لغضبه، وأن يكون سببا فيما آل إليه حالهم، فينبههم إلى ما يصلحون به أحوالهم ويعودون به إلى الله تبارك وتعالى، فإنه يتوجه إلى ربه بالدعاء، وهنا يستقبل القبلة، نعم؛ في موعظته يستقبل المصلين، ثم يستقبل القبلة.
ويُسن له أن يحوِّل رداءه؛ تحويل الرداء إن كان لا يلبس رداء، فليكن بأي لبس يلبسه، كأن يحوِّل عمامته، أو إن كان يحمل ما نعرفه بـ"الشال" أو ما سواه، فإنه يغيِّره إما بأن يقلبه أو من جهة إلى أخرى، تفاؤلا بتغير الأحوال، وهذا قبل الدعاء، نعم. وهو أيضا من السنن المستحبة؛ بمعنى أن الدعاء والخطبة تصحان بدون ذلك ولا حرج عليه، لكن الأولى – فقد فعل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ذلك – فالأولى الاهتداء بهديه عليه الصلاة والسلام.
ثم كما تقدم يستقبل القبلة، ويشرع في الدعاء، يبدأ بحمد الله عز وجل والثناء عليه، ثم بالصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام، ثم يشرع في دعائه بما يظهر فيه استغفارهم وتوبتهم وإنابتهم إلى الله تبارك وتعالى، وبما يظهرون فيه افتقارهم إليه عز وجل وطلبهم للغيث والرحمة والسقيا منه جل وعلا، ويستشفع في دعائه – يتوسل – بما يظهره من فقر أنفسهم وفي حالهم وفي زروعهم وثمارهم وفي مواشيهم وأنعامهم، ثم يختم دعاءه.
وأهم ما في الأمر هو الإخلاص لله تبارك وتعالى، واليقين، وحسن الظن.
هنا فقط مسألة اتسع لها الوقت: مسألة وضع اليدين في الدعاء؛ لأنها وردت هيئات. ففي دعاء الاستسقاء، كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم – في مواضع الشدة – يرفع يديه في دعائه إلى الأعلى، يرفع يديه إلى الأعلى كما حصل في غزوة بدر، حتى رأى الصحابة رضوان الله تعالى عليه بياض إبطيه، وورد أيضا أنه رفع يديه وبسطهما في الاستسقاء.
لكن كيف يكون ذلك؟ لأنه في بعض الروايات أنه كان باطن كفيه إلى السماء، وظاهر يديه إلى الأرض؛ بهذه الطريقة. لنثبت أيضا قبل هذا: الهيئة التي يكون عليها بسط اليدين في الدعاء في مثل هذه المواضع؛ أما في الجمعة فلم يثبت أنه عليه الصلاة والسلام رفع يديه في دعاء الجمعة، في الاستسقاء ثبت. ففي سائر الأحوال يضم يديه دون أن يفصل بينهما، ويجعل الكفين إلى الأعلى، نعم، هذه هي الكيفية التي ثبتت في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ لا يعني هذا أنه من أخذ ببعض الأقوال في أن يفرِّق بين يديه أن ذلك غير جائز، لكن الذي دلت عليه السنة هو أن يضم يديه في جميع أحوال الدعاء التي تُرفع فيها اليدان.
لكن في الاستسقاء وُجدت روايات في بعض الروايات – التي تؤكد هذه الهيئة – أنه ما رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه إلى السماء إلا وبطن كفيه إلى السماء، لكن في الاستسقاء أُثِر عنه نعم أن باطن الكفين كان إلى الأرض، وأن ظاهر اليدين كان إلى الأعلى.
ما كيفية ذلك؟ هل أن يكون بهذه الكيفية؟ نعم، هذه كيفية قالها بعض العلماء، وسار عليها كثير من العلماء والصالحين من مختلف المذاهب الإسلامية، لكن منهم من قال: بل هو من شدة رفعه ليديه بالكيف المأثورة، فمن شدة رفعه ليديه صار ظاهر الكفين إلى الأعلى، وباطنهما إلى الأسفل؛ وهذا مسلك من حاول الجمع بين الروايات، وهو مسلك حسن.
أي من هذه الكيفيات – بإذن الله تعالى – مجزئ، هذا نوع من… طبعا منهم من فرَّق، وقال: إنه في حالة الاستعاذة والاستغاثة، وفي الدعاء برفع البلاء فإن باطن الكفين يكون إلى الأرض، وظاهر اليدين يكون إلى السماء، نعم، وإن كان الدعاء بطلب رحمة وبأن يُجلَب إليه نفع وخير فيكون بالكيفيَّة التي وردت، وهو أن يكون باطن الكفين إلى الأعلى وظاهر اليدين إلى الأسفل.
الحاصل: حتى على هذا الاستنباط، فإننا سنؤول إلى أن الاستسقاء فيه استغاثة بالله تبارك وتعالى، واسترحام له، وطلب لدفع القحط والجَدْب، ونزول الغيث والرحمة، ولذلك قلتُ: إنه في الحالتين سواء جعل باطن الكفين إلى الأرض بهذه الهيئة، وظاهر اليدين إلى السماء، أو كان ذلك بأن يرفع يديه عاليا حتى يراه الرائي، وكان باطن الكفين إلى الأرض وظاهر اليدين إلى السماء، فكل ذلك صحيح بإذن الله تعالى.
هذا – والله تعالى أعلم – هذا بالنسبة للإمام.
وضعية المصلين: كيف ستكون في الدعاء؟ يعني الأولى أيضا أن يرفعوا أيديهم في الاستسقاء، يرفعوا أيديهم، وأن يبسطوا أيديهم، وأن يجتهدوا أيضا في التأمين، وفي الإخلاص لله تبارك وتعالى في دعائهم ذلك، وأن يحضروا قلوبهم مع دعاء إمامهم، وأن تنكسر نفوسهم بين يدي الله تبارك وتعالى.
هل يقفون مع الإمام؟ أم يكون معه؟ لا، لا يقفون، لم يثبت أنهم يقفون.
ما يقوله الناس من أن صلاة الاستسقاء ينبغي أن يصحبها شيء من الطعام مثلا؟ لا، لم يرد شيء من هذا، لكن إن كان هناك من يريد أن يتصدق، وكان من أهل اليسر، أيضا تحريا لما تصنعه الصدقة لعموم الناس – لا يقصد بالصدقة الخاصة بالفقراء والمساكين، وإنما هو العُرف الذي يكون منه إطعام الطعام تحريا أن يكون ذلك مجلبة لرحمة الله تبارك وتعالى – فلا مانع، لكن أن يُظن أن ذلك من سنن الاستسقاء: ليس هو من سنن الاستسقاء.
منهم من يذكر ما يكون قبل ذلك، وهو أن يجتهد المصلون قبل خروجهم للاستسقاء بأن يصوموا، وأن يخرجوا في اليوم الثالث للاستسقاء، وأن يكرروا ذلك.
لكن الحاصل – أيضا المسألة التي كانت سببا للسؤال – وهي: هل يلزم من ذلك أن يُسقى الناس، أن تكون إجابة دعائهم وهم في مصلَّاهم؟ وهل كان ذلك هو دأب السلف؟ لا، لم يكن ذلك. نعم حصلت بعض أحوال، ورويت في عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ومن بعده، لا سيما مع أئمة العدل، ومع خروج الناس، كما روي أيضا أنهم خرجوا مرة بعد مرَّة لطلب السقيا، كل ذلك لحكمة من الله تبارك وتعالى وعدل، لكن على العباد أن يؤدوا ما عليهم، وأن يتحروا ما يدفعون به عن أنفسهم أسباب الجَدْب والقحط وسخط الله عز وجل، وأن يتحلوا بما فيه مرضاة الله تبارك وتعالى، وأن يحسنوا ظنهم بربهم، وأن لا يترددوا بمثل هذه الأوهام والوساوس.
على كل مسلم أن يحسن ظنه في الله تعالى، وأن يجعلها فرصة للتوبة والإنابة إلى الله عز وجل، وأن يدعو مع إخوانه المؤمنين؛ هذا فعل خير وطاعة فيها ثواب عظيم وأجر جزيل، سواء أُجيب لهم استسقاؤهم بنزول الغيث، أو أن الله تعالى ادخر لهم ذلك ثوابا عنده، أو دفعا لما هو أعظم من سوء لا يعلمونه.
والله تعالى أعلم.