⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أحسنتم، لننظر فيما وصف الله تبارك وتعالى به جماعة المؤمنين – نعم رغم قلتهم – مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام؛ فحينما وصف الله تبارك وتعالى نبينا محمدا صلى الله عليه وسلم والمؤمنين معه قال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ﴾ نعم ﴿وَالَّذِينَ مَعَهُ﴾ ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، بدأ بالأوصاف الخُلُقية التي تتحلى بها جماعتهم، ثم انتقل إلى بيان ما يؤدونه من شعائر تعبدية: ﴿تَرَاهُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا سِيمَاهُمْ فِي وُجُوهِهِم مِّنْ أَثَرِ السُّجُودِ﴾ إلى آخر الآية.
إذن لما وصف جماعتهم بأسمى ما يمكن أن تُوصَف به جماعة من الأخلاق والقيم والآداب قال: ﴿مُّحَمَّدٌ رَّسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَهُمْ﴾، فهم يوطئون أكنافهم لإخوانهم المؤمنين، يقيمون أود العلاقة مع إخوانهم المؤمنين على الرفق والرحمة، وعلى ما فيه حب الخير لهم، وعلى التعاون على البر والتقوى، وعلى منع التعاون على الإثم والعدوان والباطل، يقيمون هذه العلاقة على العدل والإحسان والقسط إليهم والبر بهم.
يُعزَّز ذلك كله أحاديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام الذي يقول: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضا»، و: «والله لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه»، وقوله صلى الله عليه وسلم في الحديث الشهير: «تَرَى المؤمنين في تَوَادِّهم وتَعاطُفهم وتَراحُمهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الجسد بالحمى والسهر».
هذه القيم الخُلُقية العالية الرفيعة تحول بين المسلمين وبين أن يصلوا إلى حد التنازع والتفاش… إلى حد التنازع والاحتراب والتفرق.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، فالأدلة الشرعية كلها دافعة للمسلمين إلى أن ينتبهوا إلى أن أصل العلاقة التي تكون فيما بينهم إنما هي عصبة الأخوة الإيمانية، وأن هناك من المعزِّزات الخُلُقية العملية المقدور عليها السهلة الميسَّرة ما بإمكانها أن تحفظ لهم هذا التآخي، وأن تُقيم مجتمعهم على أسس متينة من القوة والعِز والشرف والمجد؛ لأنه ناشئ عن وحدة الصف واجتماع الكلمة وابتغاء الخير للآخرين قبل النفس، أو كما يحب للنفس.
ولا يأتينّ أحد ويقول: ما معنى ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، ولِمَ قُدِّم هذا الوصف؟ أيضا نجده في قول الله تبارك وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَن يَرْتَدَّ مِنكُمْ عَن دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ أَذِلَّةٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ يُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا يَخَافُونَ لَوْمَةَ لَائِمٍ﴾، فالمعنى واحد، ماذا يعني؟ وهو أنهم فيما يتعلق بعلاقاتهم فيما بينهم هم رحماء رفقاء متوادّون متعاطفون متراحمون، يحبون الخير لبعضهم البعض، ويسعون إلى إيصال الخير، ويتعاونون على البر والمعروف، ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنكَرِ﴾.
ولكنهم في المقابل أيضا ﴿أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ﴾، وهنا قال: ﴿أَعِزَّةٍ عَلَى الْكَافِرِينَ﴾، والمقصود من ذلك أنهم لا يقبلون الضَّيم، ويرفضون الظلم، ويأنفون من السفاهة، ويترفعون عن السفهاء، ويطهِّرون مجتمعهم مما يمكن أن يشينه، ويتسامون فوق القذارات وفوق التفاهات والدنايا من الأمور، وما يمكن أن يكدر صفو علاقاتهم، أو أن يشوِّش هذه العصبة المتينة.
كما هو الشأن في أهل بيت، لا يقبلون أن يأتي إليهم أو أن يدخل إلى بيتهم إلا من كان عزيزا شريفا كريما جديرا بالتقدير والاحترام، فإن ابتُلوا فإنهم يعاملونه كما أمرهم الله تبارك وتعالى؛ فهذا هو بيت أهل الإيمان، هذا هو بيت أهل هذا الدين، لا يقبلون فيه دنيّة في دينهم، ويرفضون أن يساوموا على مبادئهم وقيمهم وأخلاقهم، ويحيطون سياجَ أخلاقهم بأسس متينة مما أرشدهم إليه ربهم تبارك وتعالى في كتابه الكريم وعلى لسان نبيه محمد صلى الله عليه وآله وسلم.
وأبرز ما يمثِّل هذا المعنى الذي تسألون عنه حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام من طريق النعمان بن بشير عن النبي صلى الله عليه وسلم – كما عند البخاري – قال: «مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فكان بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها، فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم، فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا فلم نؤذ من فوقنا، فإن يتركوهم وما شاءوا هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا».
هكذا يشبِّه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم جماعة المسلمين، وحفظ هؤلاء المسلمين لأخلاقهم وقيمهم ولتآخيهم وتواديهم وتعاطفهم بهذا التشبيه البليغ؛ أنهم في سفينة، مما يعني أن هذه السفينة تتعرض لها أعاصير ورياح، ويمكن أن تتقاذفها الأمواج، لكنها سفينة تعبر بهم في غمار هذه الأمواج المتلاطمة، وهم داخل هذه السفينة لُحمة واحدة.
فحينما اقترعوا في مقاعدهم، في أماكنهم، أصاب بعضَهم أعلى السفينة، وأصاب بعضَهم أسفلَ السفينة، أي كان نصيب بعضهم أن يكون في أسفل السفينة. هؤلاء الذين هم في أسفل السفينة إذا أرادوا أن يستقوا من الماء لابد لهم أن يصعدوا إلى الأعلى، فكان مقصدهم حسنا بما همّوا بفعله وهو أن يمنعوا الأذى عمّن كان فوق السفينة؛ فقالوا: لو خرقنا في نصيبنا خرقا لنستقي من الماء مباشرة دون أن نؤذي من فوقنا؛ فهنا كان الواجب على من كان فوق السفينة أن يمنع هؤلاء من مثل هذا الفعل، مع حسن مقصدهم وجميل نيتهم، لكنهم إن تركوهم – إن يتركوهم وما أرادوا – هلكوا جميعا، وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا، هذا المنع فيه مصلحة للجميع.