⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى كرّم الإنسان وصان حياته، وجعل المحافظة على حياته من أعظم القربات إليه، فهو تعالى يقول: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32].
والنفس المؤمنة لها مزيد من الحرمة، ولذلك شدّد الله سبحانه وتعالى في ذلك عندما قال: ﴿وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا﴾ [النساء: 93].
لأجل هذا أمر الله سبحانه وتعالى بالمبادرة الحسنة من المؤمنين عندما ينشب خلاف ونزاع وقتال بين طوائفه، وقد قال سبحانه وتعالى: ﴿وَإِنْ طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا، فَإِنْ بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَىٰ فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّىٰ تَفِيءَ إِلَىٰ أَمْرِ اللَّهِ، فَإِنْ فَاءَتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا، إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ﴾ [الحجرات: 9].
نعم، هذا كله لأجل مراعاة هذه الحرمة البالغة، ولأجل مراعاة الوحدة الواجبة ما بين الأمة بين جميع أطيافها؛ فالأمة يجب أن تتحد، وأن تسعى جميعًا إلى خيرها، فلا يصلح أن تُترك الأمور هكذا سدًى، وأن يشعل الفتنة كل أحد حيث ما شاء، وأن يقتتل الناس بدون مبالاة.
إن على الأمة أن تسعى إلى إخماد هذه النار المتأججة، وأن تسعى إلى نزع هذا الفتيل المرعب المخيف، وعليها أن تعرف أسباب ذلك؛ الأمة إنما ضاعت وتفرقت وتشتت بسبب تركها الواجب الذي فرضه الله سبحانه وتعالى عليها، إذ هذه الأمة إنما هي أمة أمرٍ بمعروفٍ ونهيٍ عن منكر؛ يقول الله سبحانه وتعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]، وهو سبحانه وتعالى يبين وجوب أن تكون الأمة كذلك عندما يقول: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ، وَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [آل عمران: 104].
فتركُ هذه الأمة الأمرَ بالمعروف والنهيَ عن المنكر هو الذي أجج هذه الفتن، وأوجد هذا الشقاق، وأوجد هذا التصدع، ودعا إلى هذا التنازع، وهبّ سعيرَ هذه الفتنة. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «لَتَأْمُرُنَّ بِالْمَعْرُوفِ، وَلَتَنْهَوُنَّ عَنِ الْمُنْكَرِ، أَوْ لَيُسَلِّطَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ظَالِمًا، فَلَا يَسْتَجِيبُ لِكُمْ» أو قال: «أَوْ لَيُخَالِفَنَّ اللَّهُ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ».
فهذه المخالفة بين القلوب إنما هي بترك هذا الواجب، لذلك كان جديرًا بالأمة أن تحاسب نفسها، وأن تسعى إلى ما فيه ردمُ هذه الهوة التي تفصل بين فئاتها، وأن تسعى إلى نزع فتيل الفتنة فيما بينها، وأن تسعى إلى القضاء على كل أسباب الخلاف وأسباب الشقاق حتى تكون كما كانت من قبل.
الأمة أصبحت ضائعة، صدق عليها قول الرسول صلى الله عليه وسلم: «يُوشِكُ أَنْ تَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَمَا تَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا»، قالوا: أمن قلةٍ نحن يومئذ يا رسول الله؟ قال: «لا، إنكم يومئذ كثير، ولكنكم غثاءٌ كغثاء السيل، ولينزعنّ الله المهابة من قلوب أعدائكم، وليقذفنّ في قلوبكم الوهن»، قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حب الدنيا وكراهية الموت».
نعم، حب الدنيا هو الذي أدى إلى ذلك، الناس أصبحت الدنيا هي الشغل الشاغل لهم، ولذلك يتقاتلون عليها هذا التقاتل، ما الناس إلا كالدواب الهَمَل، همهم في الأكل والترَف، قد حايلوا الدنيا بكل الحيل، بالكدّ والشحّ والتحيّل... هذا هو همّ الناس، الناس مشغولون بهذه الدنيا.
فلذلك يجب أولًا قبل كل شيء أن تعرف الأمة رسالتها في هذه الحياة؛ فهي خير أمة أخرجت للناس، ولن تكون هذه الخيرية لها إلا إذا ما استمسكت بأسبابها وهي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. أما عندما تكون خلاف ذلك فإنها تكون قد تخلّت عن خصائصها، وتركت سبيل عزتها، وأفلت حبل الله المتين من يدها.
هذا ما أدعو إليه الأمة الآن، وأدعو كل فريق أن يحاسب نفسه، وأن يدرك خطورة سلِّ المسلم سيفَه على أخيه المسلم؛ ففي الحديث الشريف عن النبي عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام: «إذا التقى المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار»، قيل له: هذا القاتل، فما بال المقتول؟ قال: «إنه كان حريصًا على قتل صاحبه».
نسأل الله تعالى العافية.