⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لنبدأ بظاهرة العنف أولًا، وبمعرفة أسبابها يمكن لنا بعد ذلك أن نشير إلى العلاج وإلى الدواء اللازم لاستئصال هذه الأدواء والأمراض التي استشرت في جسد هذه الأمة.
وإذا كان لي أن أقسم الأسباب –تصنيفًا لها– فإنه يمكن أن تُقسَّم إلى أسباب تتعلق بالحكام، وأسباب تتعلق بالعلماء، ثم إلى أسباب تتعلق بعموم الناس.
أما أبرز الأسباب التي تخص الحكام –الأنظمة الحاكمة في كثير من بلاد المسلمين– فإن في صدارته الاستبداد، بكل ما تشتمل عليه كلمة الاستبداد من الظلم، ومصادرة حقوق الناس، وهدر كرامتهم، وتكديس الثروات في أيدي فئة قليلة، وتبديد ثروات الأمة، ومجانبة العدل والإنصاف؛ كل هذه تندرج تحت الاستبداد، وهي عامل بالغ الأهمية فيما آلت إليه أحوال المسلمين من انتشار الغلو والتطرف والعنف.
ولا بد أن نكون صادقين مع أنفسنا، وأن نبين أن مغبة التمسك بالكراسي، والسماح بإراقة دماء الناس في سبيل المحافظة على هذه الكراسي، أدَّى قطعًا إلى تنامي العنف وانتشار الاعتداء على النفس المصونة شرعًا؛ لأنه ما لم تُبيَّن هذه الحقيقة فإنه لا يمكن معالجة هذه الأوضاع بعد ذلك، ولا نكون منصفين أيضًا.
ومن الاستبداد أيضًا التبعية للغير؛ لأن هذا الغير له مصالح، حتى إذا سلمنا بأنه لا يكيد بنا، فإنه يكيد لنفسه؛ لأنه يسعى إلى تحقيق مصالحه، ولن يؤثر مصالحنا على مصالحه قطعًا، ولا يحتكمون إلى مبادئ وأُسس من العدل والتعايش والتسامح، ومبادئ من الأخلاق القويمة في تعاملهم مع الآخر، وإنما يحتكمون إلى ما يحقِّق لهم مصالحهم فقط، وهذا مما يعلمه الخاص والعام؛ فلِمَ هذا الاتباع الأعمى لهؤلاء الذين لا يراعون إلا مصالحهم ولو كانت على حساب دمائنا وأنفسنا ودماء شعوبنا ودماء المسلمين الأبرياء؟
أما ما يخص العلماء –وأعني بهم علماء الشريعة، ولا أقصد بالعلماء هنا فقط المتبحر منهم والمجتهدين، وإنما أقصد كل من يتناول الجوانب الشرعية فكرًا أو دعوةً إلى الله سبحانه وتعالى أو وعظًا أو كتابةً أو نقدًا؛ كل هؤلاء داخلون في هذا الصنف؛ لأنهم من صنف أولي العلم– فإن الغلو هو أبرز سمات هذا الصنف؛ فإن هناك ضيقًا في الأفق، لا يحتملون الخلاف في الرأي، ويَنبِذ الخلاف، ويعمدون إلى التطرف والغلو الذي حذرنا منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، حينما أُتي بحصاةٍ كالحَذفِ ليرمي بها الجمرة فقال: «بمثل هذا فارموا، وإياكم والغلو»، ثم أضاف: «فإنما أهلك من كان قبلكم غلوهم في الدين».
فالغلو في الدين –وهو لا ريب يؤدي إلى تنامي ظاهرة العنف، وإلى عدم المبالاة بسفك الدماء والاعتداء على الأعراض والأموال– لهذا كان من آخر ما حذر منه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم هو هذه الظاهرة –إن لم يكن باسمها فبمعناها– حينما قال: «إن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم كحرمة يومكم هذا في شهركم هذا في بلدكم هذا»؛ فأين نحن اليوم من هذا الخطاب النبوي المستند إلى كتاب الله عز وجل؟
والغلو هنا أيضًا يشمل أنواعًا؛ فإن الغبش في التصور، والخلل في الأولويات –كما تقدم: ما هي نوع القضايا التي تناقشها المجامع الفقهية والهيئات وعلماء المسلمين اليوم، وهذا هو الواقع الذي يمرون به أو يمر بهم– فإنها كلها تندرج، أي هذا الذي يخصُّ ذوي العلم، كلها هي من فروع الغلو والتطرف.
ومن أيضًا الأسباب التي تخص أولي العلم: عدم إعطاء القدوة الحسنة؛ فلئن كان من شروط أداء العلم أن يكون العالم في محل القدوة والأسوة الحسنة للناس، فإن الناس اليوم –للأسف الشديد– لا يرون في هذا العالم الذي يتصدر لهم في القنوات الإعلامية، وفي وسائل التواصل الاجتماعي، وفي المنابر، لا يرون فيه القدوة الحسنة، لا يرون فيه النموذج الذي يمكن لهم أن يَتَأَسَّوا به، وأن تطمئن نفوسهم إلى دينه وإلى أمانته وإلى نزاهته وورعه؛ فغياب القدوة ليس بالأمر الهامشي، وإنما هو من الأسباب التي أفضت أيضًا إلى انتشار ظاهرة العنف.
مما يخص أهل العلم أيضًا في هذا السياق –الذي أنا قلت: هناك أسباب تتعلق بالحكام، وهناك أسباب تتعلق بذوي العلم– ذكرتُ منها الغلو والغبش في التصور والخلل في الأولويات، وغياب القدوة الحسنة للناس.
من الأسباب المتعلقة بذوي العلم أنهم لا يعمدون إلى الوسائل الشرعية التي أمرهم بها ربهم جل وعلا، وأرشدهم إليها في كتابه الكريم حينما تحصل مثل هذه الظواهر.
ولأكون أكثر توضيحًا: هل صدرت مبادرات من جهة شرعية معتبرة لها مكانتها في عالمنا الإسلامي –سواء كانت في البلاد العربية أو خارج البلاد العربية– تدعو إلى الحوار مع هذه الجماعات التي توصف بأنها جماعات متطرفة؟ أين هو الحوار؟ أين هو التواصل معهم؟ لأنهم لا يخلو حالُهم من أن يكونوا إما متدينين لكنهم متطرفون، أو أن يكونوا مُغَرَّرًا بهم، فهم واقعون في خديعة، أو أن يكونوا عملاء ينفذون مخططاتٍ للغير، أو أن يكونوا مزيجًا من هذا كله؛ ليس شيء من هذه الأسباب يمنع من مد جسور الحوار معهم؛ لأن الله سبحانه وتعالى أمرنا بذلك، وأمرنا بإصلاح ذات البين، فكيف يمكن تحقيق إصلاح ذات البين إن لم تكن هناك مبادرات للحوار مع هؤلاء؟
…
الله سبحانه وتعالى يؤكد في كتابه الكريم على إصلاح ذات البين، وهو ركن ركين؛ فالرسول صلى الله عليه وسلم يقول عليه الصلاة والسلام: «إياكم وفساد ذات البين، فإن فساد ذات البين هي الحالقة، لا أقول تحلق الرأس ولكنها تحلق الدين».
ولما حصل –على أثر غزوة بدر– وانتصار المسلمين وتطلعهم إلى ما سُلِب من أيديهم، تساءلوا عن حكم هذه الغنائم، فإن الجواب الحاسم الذي أتاهم –أثر سؤالهم فورًا– هو قول الله تبارك وتعالى بعدما حكى عنهم: ﴿يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنفَالِۖ قُلِ الْأَنفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِۖ فَاتَّقُواْ اللَّهَ وَأَصْلِحُواْ ذَاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُواْ اللَّهَ وَرَسُولَهُ﴾ [الأنفال: 1]، ويقول: ﴿وَإِن طَآئِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا﴾ [الحجرات: 9].
فالله عز وجل يأمرنا بذلك؛ إذا لا بد من وجود هذا التقصير من أهل العلم، وأضيف إليهم –باختصار شديد– مراعاة حظوظ أنفسهم على المصالح العليا للأمة، وهذا مما وقع فيه علماء الإسلام أيضًا.
…
هذه الصور القاتمة من العنف الداخلي، ومن الذبح والتصفية بين المسلمين أنفسهم، لا شك أنها تُعين خصوم الإسلام على تشويه صورته، وتُستَغل للنَّيْل من الإسلام وأهله، وللوصول إلى ثرواتهم، وإضعاف صفِّهم، وإحداث الفرقة فيهم.