⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن ما يجري في الساحة في العالم الإسلامي داعٍ للاعتبار، وباعث على الاستعبار، وإذا قلب الإنسان آيات الكتاب العزيز وأحاديث الرسول عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام لم يكن بعيدًا من إدراك الواقع كما هو.
فالأمة المسلمة فرض الله تعالى عليها الاتحاد، الاتحاد المطلق في عقيدتها وتصوراتها، في شعورها وأحاسيسها، في عباداتها وأفعالها، في آلامها وآمالها، بحيث تكون القلوب كلها تنبض بنبض واحد، وتحس بمشاعر واحدة، وتتألم بآلام واحدة، وتأمل آمالًا واحدة، هذا هو المفروض على الأمة المسلمة، وذلك من خلال الاطلاع على الدلائل القرآنية والأحاديث النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
والله تعالى يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾، ويقول عز من قائل: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ﴾ [آل عمران: 102-105] ﴿وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾، ويقول عز من قائل: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ﴾ [الحجرات: 10] ﴿فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ﴾.
ونجد أن الله سبحانه وتعالى في كتابه يؤدبنا بآداب كلها داعية إلى أن نحس بأن ما يصيب الفرد منا إنما يصيب المجتمع، وما يصيب المجتمع إنما يصيب كل فرد من أفراده، فكل ألم يتألم به أي فرد، على كل فرد من أفراد المجتمع المسلم أن يتألم له.
فالله سبحانه وتعالى فرض علينا من الآداب ما يدعو إلى التوقير والاحترام بين المسلمين، يقول سبحانه: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِنْ قَوْمٍ عَسَى أَنْ يَكُونُوا خَيْرًا مِنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِنْ نِسَاءٍ عَسَى أَنْ يَكُنَّ خَيْرًا مِنْهُنَّ وَلَا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ﴾ [الحجرات: 11] ﴿بِئْسَ الاِسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ وَلَا تَجَسَّسُوا وَلَا يَغْتَبْ بَعْضُكُمْ بَعْضًا﴾ [الحجرات: 11-12] ﴿أَيُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتًا فَكَرِهْتُمُوهُ وَاتَّقُوا اللهَ إِنَّ اللهَ تَوَّابٌ رَحِيمٌ * يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا﴾ [الحجرات: 12-13] ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾.
في هذه الآيات الكريمة يوجهنا الله تعالى الوجهة المرضية التي تحفظ لهذه الأمة وحدة مشاعرها، ووحدة أحاسيسها، ووحدة آلامها وآمالها.
وأحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم تقول: «تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِي تَوَادِّهِمْ وَتَرَاحُمِهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ؛ إِذَا اشْتَكَى مِنْهُ عُضْوٌ تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ الْجَسَدِ بِالْحُمَّى وَالسَّهَرِ».
نعم، هذه هي مشاعر المؤمنين فيما بينهم، فهل واقعنا نحن يعكس هذه التوجيهات الربانية والتوجيهات النبوية؟ هل نحن الآن في اتحادنا وإحساسنا بما يصيب الأمة الإسلامية على هذا النحو الذي يوجهنا إليه القرآن وتوجهنا إليه السنة النبوية؟ كلا. فمن أجل ذلك أُتينا من هذا.
فالله سبحانه وتعالى يحذرنا من الفرقة والاختلاف، ويبين لنا آثارهما عندما يقول: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، نعم، التنازع بين الناس وسلوكهم طرائق قددًا، سواء كان ذلك مما يعود إلى الاتجاهات الفكرية والمذهبية، أو كان ذلك مما يعود إلى المصالح السياسية والاقتصادية وغيرها، كل من ذلك أدى إلى أن تكون كلمة هذه الأمة كلمة متفرقة، وبالتالي أصبح أمرها أمرًا ضائعًا، وأصبح العدو يطمع فيها.
والرسول صلى الله عليه وسلم أنذرنا: «أَنْ تَتَدَاعَى عَلَيْكُمُ الأُمَمُ كَمَا تَتَدَاعَى الأَكَلَةُ عَلَى قَصْعَتِهَا»، قالوا: أمن قلة يا رسول الله؟ قال: «لا، أنتم يومئذ كثير، ولكنكم غثاء كغثاء السيل، وَلَيَنْزِعَنَّ اللهُ الْمَهَابَةَ مِنْ قُلُوبِ أَعْدَائِكُمْ، وَلَيَقْذِفَنَّ فِي قُلُوبِكُمُ الْوَهْنَ»، قيل له: وما الوهن يا رسول الله؟ قال: «حُبُّ الدُّنْيَا وَكَرَاهِيَةُ الْمَوْتِ».
فالأمة وقعت في هذا الأمر، ومن جراء ذلك أُصيبت بهذه النكاية الخطيرة، وأصيبت بهذه الرزية، بحيث أُدري بها عدوها، ولم يعد يحسب لها حسابًا.
والمخلص من ذلك واضح، والطريق بيِّن، فإن الأمة مطالبة بأن تعود إلى صفها فترصَّه، ومطالبة بأن تعود إلى فِئَاتها فتجمع بينها، ومطالبة بأن تتوحد في ظلال القرآن وفي ظلال السنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام.
ولا يمكن أن تتوحد إلا عندما تكون محاسِبة لنفسها الحساب الدقيق، وليس هذا يعني أن كل واحد يشتغل فقط بأمر نفسه بحيث يحاسبها وحدها ولا يشتغل بغيرها، إنما على كل واحد أن يحاسب نفسه، وبجانب ذلك عليه أن يشتغل أيضًا بإصلاح غيره، وأن يشتغل بتوجيه غيره، وأن يتقبل التوجيه من غيره، فكلٌّ منا مطالب بأن يتقبل التوجيه من غيره، وأن يقوم بتوجيه غيره إلى الطريق الأمثل.
فالله سبحانه وتعالى في معرض الدعوة إلى الوحدة والتحذير من الافتراق أمر بأن تكون هذه الأمة أمة دعوة، أمة أمر بمعروف ونهي عن منكر، فبعد أن قال سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ * وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾ ثم ذكرهم النعمة التي أنعم بها عليهم عندما قال: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ﴾ [آل عمران: 103] ﴿فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا﴾، ﴿وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا﴾، كذلك يبين الله لكم آياته لعلكم تهتدون، بعد ذلك أتبع الله سبحانه وتعالى دعوة هذه الأمة إلى أن تكون أمة دعوة إلى الحق وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر، عندما قال سبحانه: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [آل عمران: 104] ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾.
وهذا لا يعني أن المطالَبة بذلك إنما هي فئة من الأمة، وإنما المطالَب بذلك جميع الأمة، فقوله: ﴿مِنْكُمْ﴾ لا يعني التبعيض، وإنما يعني البيان، بدليل قوله سبحانه وتعالى: ﴿وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾، بحيث حصر الفلاح في هؤلاء الذين يقومون بهذا الشأن، ومعنى ذلك أن من لم يقم بذلك فليس من المفلحين، والحصر إنما يُستفاد من تعريف المسند والمسند إليه وتوسيط ضمير الفصل بينهما.
وبطبيعة الحال هذا نجده قبل التحذير من التفرق الذي جاء من بعد في قوله سبحانه: ﴿وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا﴾ [آل عمران: 105] ﴿مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
وعلى أن الله سبحانه بين شأن المؤمنين والمؤمنات، وهو أن يكون بعضهم أولياء بعض، حيث قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ [التوبة: 71]، لكن كيف تكون هذه الولاية وبأيِّ طريق، وما هي لحمتها وما هو سداها؟ بين الله سبحانه وتعالى ذلك عندما قال: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾ ﴿يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ ﴿وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللهُ﴾ [التوبة: 71] ﴿إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾.
فالواجب إذًا على جميع المؤمنين والمؤمنات أن يتآمروا فيما بينهم بالمعروف، وأن يتناهوا عن المنكر، وأن يكونوا مقيمين للصلاة ومؤتِين للزكاة، ومطيعين لله ورسوله، عند ذلك يمنُّ الله سبحانه وتعالى عليهم بالنصر والتمكين، فإن الله تعالى يقول: ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ * الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ﴾ [الحج: 40-41] ﴿وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾.
وعلينا أن نستبصر بسيرة السلف الصالح؛ فالسلف الصالح إنما كانوا في مثل هذه المواقف حريصين على محاسبة النفس، والعود بها إلى سبيل الرشد، والاعتصام بحبل الله، والأخذ بأمره، وسلوك صراطه، والاهتداء بنوره.
فهذا خليفة المسلمين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه عندما جنَّد الأجناد لمواجهة إمبراطورية فارس، ماذا قال للجند؟ بما أوصاهم؟ إنما قال لقائد الجند: أوصيك ومن معك من الأجناد بتقوى الله على كل حال، فإن تقوى الله أفضل العدة في الحرب، وأقوى المكيدة على العدو، وأوصيك ومن معك من الأجناد بأن تكونوا أشدَّ احتراسًا من المعاصي منكم من عدوكم، فإن ذنوب الجند أخوف عليهم من عدوهم، وإنما يُنصر المسلمون بمعصية عدوهم لله، فإن عددنا ليس كعددهم، ولا عدتنا كعدتهم، فإن استوينا في المعصية كان لهم الفضل علينا في القوة، وإلا ننتصر عليهم بفضلنا، لم نغلبهم بقوتنا، واعلموا أن في سيركم عليكم من الله حفظة يعلمون ما تفعلون، فاستحيوا منهم، ولا تعملوا بمعاصي الله وأنتم في سبيل الله، ولا تقولوا: إن عدونا شرٌّ منا، فلن يُسلَّط علينا، فربَّ قومٍ سُلِّط عليهم من هو شرٌّ منهم، كما سُلِّط على بني إسرائيل إذ عملوا بمعاصي الله كفار مجوس، فجاسوا خلال الديار وكان وعدًا مفعولًا، واسألوا الله العون على أنفسكم كما تسألونه النصر على عدوكم، أسأل الله ذلك لي ولكم.
بهذا انتصرت هذه الأمة، وتمكنت من إظهار كلمة الحق، وإعلاء دين الله سبحانه وتعالى حتى ظهر في مشارق الأرض ومغاربها على الدين كله ولو كره المشركون، والله تعالى مستعان.