⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فبمناسبة استقبالنا لعام جديد وتوديع لعام مضى أهنئ جميع الإخوة والأخوات المشاهدين والمشاهدات والمستمعين والمستمعات بهذه المناسبة، راجيًا من الله سبحانه وتعالى أن يجعل هذا العام عام يمن وبركة وعز وسؤدد، يعز الله تعالى فيه أهل طاعته ويذل فيه أهل معصيته، وأن يبدل الله سبحانه وتعالى بالعسر يسرًا، وبالضلال هدى، وبالفساد صلاحًا، وبالانحطاط رقيًّا، وبالتشتت اجتماعًا، وأن يؤلف القلوب، وأن يجمع ما بين الأرواح، وأن يوحد كلمة الأمة على ما يحبه ويرضاه من الخير، وأن يهيئ لهذه الأمة من أمرها يُسرًا ورشدًا حتى تسلك الطريق الذي سلكه السلف الصالح، وتسير على النهج الذي رسمه الرسول، عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، لتتبوأ الأمة من جديد مكان القيادة والريادة والإمامة والزعامة والإرشاد والتوجيه والأمر والنهي كما كانت من قبل، ولتنقلب الأمة من الذل إلى العز، ومن الفقر إلى الغنى، ومن التشتت إلى الاجتماع، ومن التصدع إلى الوحدة التي تجمع الشتات بإذن الله سبحانه وتعالى، بإذن الله.
ولا ريب أن الأمة يجب عليها أن تقف مع كل مناسبة لتحاسب نفسها، فإن المناسبات الدورية التي تمر بهذه الأمة هي محطات مع النفس لمحاسبة النفس، وهي محطات مع المجتمع لأن يحاسب المجتمع أيضًا نفسه حتى يتحول هذا المجتمع بعون الله تعالى إلى ما فيه الخير. الأمة بحاجة إلى وقفات، فهي مسؤولة عن كل ما قدمت وما أخرت، كما أنها مسؤولة عن شأن الأمم؛ لأن هذه الأمة أمة رائدة اختارها الله تعالى لتتحمل الرسالة وتضطلع بالأمانة، ولِتَبُوء بعزٍّ بعون الله تعالى عندما تقوم بهذا المضطلع حق القيام، وعندما تؤدي هذه الرسالة وتبلغها حق التبليغ، فالله تعالى يقول: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. إنما الأمة تتميز على الأمم بأمرها بالمعروف ونهيها عن المنكر مع اعتصامها بحبل الله، إيمانها الحق بالله تعالى الذي يتجسد في كل جزئية من جزئيات أعمالها حتى تكون أعمالها كلها ترجمة صادقة لهذا الإيمان وتصوّرًا واقعيًّا لمعناه.
فمن هنا كان لزامًا على الأمة أن تحاسب نفسها، ولا ريب أن هناك شؤونًا وشجونًا مرت بهذه الأمة، فكثير من الأحوال ما كانت لصالح الأمة كما هو معلوم، بل ما كانت لصالح البشر؛ على أن البشر الآن أنفسهم يئنون تحت وطأة هذه الأوضاع المتردية، سواء الأوضاع الاقتصادية، أو الأوضاع العسكرية، أو الأوضاع السياسية، ولا ينتشل هذه الأمم الضائعة مما هي واقعة فيه إلا الإسلام دين الله تعالى الحق. فكم من تجربة مرت على البشر، هناك تجارب عديدة مرت بها البشر، كل هذه التجارب إنما كان فشلها فشلاً ذريعا، وكانت البشر تتجرع منها الويلات، وتكابد منها المآسي، وتلاقي منها العَنَتَ والشِّقاق.
فلذلك على العالم أن يستفيق من هذه السَّكْرَة، وأن ينتبه بعد هذه النومة، وأن يثوب إلى رشده، وأن يعرف ما فيه خيره وما فيه سلامته. إن الأمة الإسلامية بما آتاها الله تعالى من خير، وما منحها من هدى، إذ آتاها هذا الكتاب الذي يحل كل مشكلة من مشكلات العالم، ويبوِّئ كل شيء مَبْوَأَه، وينزل كل أمر مَنزلَه في نظام رتيب من غير إفراط ولا تفريط، هذا الكتاب لو أخذت به هذه الأمة وطبقته تطبيقًا دقيقًا لكان الأمر كفيلاً بأن يقلب الموازين في العالم بأسره؛ إذ يشاهد العالم رأي العين كيف تحيا هذه الأمة حياة سعيدة برجوعها إلى هذا الكتاب العزيز، واستِمساكِها بحبله المتين، واتباعِها لنوره المبين، وبهذا تعود لها الكَرَّة كما كانت أول الأمر، ويمكنها أن تجدد تلك الدورة التي قادها رسول الله صلى الله عليه وسلم في العالم لإخراج الناس من الظلمات إلى النور، ومن الباطل إلى الحق، ومن التشتت إلى الاجتماع.
هذا ولا ريب أنه مهما كانت الأوضاع فإننا نثق بأن الناس سيعودون إلى الفطرة، فهناك داعٍ حثيث يدعو الناس إلى أن يعودوا إلى الله سبحانه وتعالى، هذا الداعي الحثيث يتمثل في هذه النذر التي تتوالى على الناس. كم من نذير ألمَّ بالناس ولكن الناس لا يفيقون من سَكْرَة، فهم إن كانت لهم بقاء، وإن كان لهم استمرار، وإن كانت لهم حياة في المستقبل لا بد من أن يثوبوا إلى الرشد، أما إن استمروا على هذا، فإن الأمر –والعياذ بالله– لا يفضي إلا إلى الانتحار، انتحار هذه البشرية.
فلذلك نحن علينا أن نؤدي هذا الواجب، وأن ندعو الناس دعوة لله سبحانه وتعالى بأن يرجعوا إلى ربهم سبحانه وتعالى، وأن يدركوا الخطأ الذي هم واقعون فيه، والهاوية التي يترددون إليها، والمنزلق الذي ينزلقون فيه إلى غاية لا يعلمها إلا الله سبحانه وتعالى. ما أحوج الناس إلى أن نكون نحن صادقين في لله، سائرين على هذا النهج المستقيم، بهذا تنقلب الموازين.
ونحن نسمع الكثير من الناس تتعالى أصواتهم داعيةً إلى التغيير والتحول في مناهجهم؛ لأنهم أدركوا خطأ هذه المناهج، فنحن بحاجة إلى أن نقدم لهم المنهج، وهم بحاجة إلى هذا المنهج لأجل الانتشال، ومن خلال هذه الدعوات التي تنطلق هنا وهناك بأنه لا بد من تغيير المناهج، ولا بد من العودة إلى الأسس السليمة، يتبين لنا أن المستقبل مستقبلٌ واعد؛ فمن خلال هذه الأصوات التي قد تبدو اليوم خافتة ولكنها تنقلب غدًا إلى أصوات هادرة، أصوات ثائرة، أصوات تدعو إلى التغيير في هذا العالم من الباطل إلى الحق، ومن الضلال إلى الهدى، وهذا مهما كان يبشر بخير كبير.
كم سمعنا من غير المسلمين، نعم، من أصوات تدعو إلى التغيير. كما ذكرنا أكثر من مرة بأن هناك من يقول –من غير المسلمين– بأن العالم كله مدين لشخص الرسول، عليه وعلى آله وصحبه الصلاة والسلام، وأن تعاليم هذا الرسول هي التي يجب أن تسود العالم وأن تطبَّق في هذا العالم. فما دامت هناك أصوات ترتفع هكذا، ولو كانت تواجه صخبًا وضجيجًا من قبل الأصوات الهادرة التي تعج بالباطل، إلا أن هذه الأصوات لا بد من أن تتغلب بعون الله، فإن الحق يغلب الباطل: ﴿بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ﴾ [الأنبياء: 18] بحول الله تعالى.
وكما سمعنا أصوات العقلاء التي تنطلق من أفواههم تردد بأنه لا بد من الرجوع إلى قيم الإسلام، وكما ذكرنا أكثر من مرة بأن نيكسون نفسه قال هذا الكلام قبل وفاته، وكذلك بريجنسكي، وهناك من وضعوا النقاط على حروف هذه الناحية، وقالوا بأنه لا بد من الانتفاع بقيم الإسلام وتعاليم الإسلام، وإلا فالطريق الذي يسيرون فيه إنما يسير بهم إلى الدمار والعياذ بالله. وهذه آيات الله تظهر في المشكلة الاقتصادية وفي غيرها من المشكلات التي يعانون منها، والأمراض التي يعانون منها ما هي إلا تجسيد لما يقوله الله تبارك وتعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْنَاهُمْ بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ * فَلَوْلَا إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا تَضَرَّعُوا وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ * فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ * فَقُطِعَ دَابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الأنعام: 42-45]. هؤلاء الذين يصرون على هذه المواقف الشائنة، هذه المواقف التي يصرون عليها إنما تدفع بهم –والعياذ بالله– إلى الهلاك، ويظهر الله تعالى دينه ويظهر أمره، وينتشر هذا الحق في أرجاء الأرض بعون الله.