مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

أزمة الأمة الحديثة

هل ما وصلت إليه الأمة الإسلامية من تراجع سببه تذبذبها العقدي والفكري بين إفرازات النهضة الحديثة وتعاليم الإسلام؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف المرسلين سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى أكرم عباده بفضل عظيم ونعمة جسيمة إذ بعث فيهم رسولًا كريمًا، وأنزل عليه ذكرًا حكيمًا، فهداهم به صراطًا مستقيمًا، فالمهتدي هو من تمسك بهديه، واتبع سنته، وحرص على هذا الكتاب العزيز الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه، والضال هو من انحرف عن ذلك. والأمة الإسلامية لا ريب أنها أصيبت بهزّات فكرية ومِحن متنوعة عبر تاريخها الطويل، وهنالك محنة وصلت إلى هذه الأمة بسبب أن أقوامًا دخلوا في دينها وهم يحملون أوزارًا من معتقداتهم الفاسدة، وهذا مما جعل عقيدة الأمة يُلوَّث طهرها، ويُكدَّر صفاؤها. فلذلك كانت الأمة، وهي تعايش هذه المحنة وترى نفسها إلى أي درجة سافلة نزلت، وفي أي مستنقع أصبحت تلِج، الأمة في هذه المرحلة هي أحوج ما تكون إلى أن تعيد صياغة نفسها، وذلك بأن تصوغ فكرها وأخلاقها وقيمها على هدي من كتاب ربها وسنة نبيها عليه وعلى آله وصحبه أفضل الصلاة والسلام، بهذا يمكن لهذه الأمة أن تنهض من هذه الكبّة. فإن الله تبارك وتعالى منَّى عليها بالذكر الحكيم، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا﴾ [الإسراء: 9]، ونجد أن الله تبارك وتعالى يبين أن هذا القرآن الكريم شفاء لما في الصدور: ﴿وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ وَلَا يَزِيدُ الظَّالِمِينَ إِلَّا خَسَارًا﴾ [الإسراء: 82]. هذا كله مما يقتضي أن تحرص الأمة على أن تستلهم الحقيقة من كتاب ربها، ولربما كانت هناك موروثات فكرية، هذه الموروثات نُزِلت بها في عقيدة هذه الأمة حتى أصبحت من المسلَّمات اليقينيات عند الدهماء أو عند كثير من الناس، وهذا مما يقتضي بطبيعة الحال أن تُعرض هذه الموروثات الفكرية جميعًا على كتاب الله تبارك وتعالى. فالإيمان بالله واليوم الآخر مناطر كل خير، ومنبع كل سعادة، وأساس كل استقامة، ومصدر كل فضيلة، وعندما تنحرف الأمة عن الإيمان بالله واليوم الآخر حق الإيمان فإنها ولا ريب تتسكع في المتاهات، وتتحيّر في الظلمات، ولذلك كان عليها أن تراجع إيمانها. إن الله تبارك وتعالى خالق الخلق، وباسط الرزق، الذي أنعم على الإنسان بما أنعم عليه، هو تبارك وتعالى أهل لأن يطاع ولا يُعصى، وأهل لأن يُشكر ولا يُكفر، وأهل لأن يُصدَر في كل جزئية من جزئيات الحياة عن حكمه؛ لأن هذا الكون بأثره إنما هو ملكه، ولما كان ملكه فلا يجوز التصرف في ملكه تبارك وتعالى إلا بحسب ما أذِن، والناس كلهم عباده: ﴿إِنْ كُلُّ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ إِلَّا آتِي الرَّحْمَنِ عَبْدًا * لَقَدْ أَحْصَاهُمْ وَعَدَّهُمْ عَدًّا * وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا﴾ [مريم: 93-95]. والله سبحانه لا يُشبه شيئًا، ولا يُشبهه شيء، فليس للإنسان أن يشبِّه الله تعالى في خلقه بشيء، وما يُؤسف له أن التشبيه وصل إلى هذه الأمة عبر قنوات من فكر الأمم السابقة التي دخل بعض أفرادها في الإسلام وهم يحملون تلكم الأفكار، وكذلك تشبُّه الخلق بالخالق بحيث يُجعل للإنسان ما لله تبارك وتعالى من البسط والقبض، والعطاء والمنع، والرفع والخفض، والإعزاز والإذلال، والإغناء والإفقار، والإحياء والإماتة، والإسعاد والإشقاءِ، إلى غير ذلك مما الله تبارك وتعالى منفردٌ به. فمن الضرورة بمكان أن تصوغ الأمة فكرها على الإيمان بالله: إنه الواحد الأحد، الفرد الصمد، الذي لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفوًا أحد، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ [الشورى: 11]، ﴿لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ وَهُوَ يُدْرِكُ الْأَبْصَارَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾ [الأنعام: 103]، وأن حكمه في عباده نافذ، وأنه لا تبديل لكلماته، ولا إخلاف لميعاده، وأن كل ما جاء عنه سبحانه هو الحق الذي لا ريب فيه، وأن الأمة لا تسعد إلا عندما تكون مطبقةً لأمره، منقادةً لحكمه، واقفةً عند حدوده، مدعِمةً لطاعته، وجِلةً من خوفه، راجيةً فضله، عندما تكون الأمة بهذه الحالة تكون أمة سعيدة. هذا من ناحية الإيمان بالله، أما الإيمان باليوم الآخر فإن الإيمان باليوم الآخر يقتضي بطبيعة الحال أن يكون هذا الإيمان ليس إيمانًا معلَّقًا بحيث يؤمن الإنسان باليوم الآخر إيمانًا شكليًّا، أو إيمانًا إرجائيًّا، بحيث يقول كما قالت اليهود من قبل الذين وصفهم الله تعالى بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾ [الأعراف: 169]. إن الإيمان باليوم الآخر يقتضي أن يصدق الإنسان بما أخبر الله تبارك وتعالى به من وعد ووعيد، فالله سبحانه وتعالى يقول: ﴿لَيْسَ بِأَمَانِيِّكُمْ وَلَا أَمَانِيِّ أَهْلِ الْكِتَابِ مَنْ يَعْمَلْ سُوءًا يُجْزَ بِهِ وَلَا يَجِدْ لَهُ مِنْ دُونِ اللهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا﴾ [النساء: 123]، ويقول سبحانه وتعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ خَيْرٌ مِنْهَا وَهُمْ مِنْ فَزَعٍ يَوْمَئِذٍ آمِنُونَ * وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَكُبَّتْ وُجُوهُهُمْ فِي النَّارِ هَلْ تُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: 89-90]، ويقول تعالى: ﴿مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى الَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ [الأنعام: 160]. فلا بد من هذا الاعتقاد، وقد سرى –مع الأسف الشديد– داء الأمم من قبل في هذه الأمة حتى وصل بها الأمر إلى أن تقول: إن الله إذا وعد وفى، وإذا توعَّد عفا، مع أنه سبحانه وتعالى يقول في معرض الوعيد: ﴿لَا تَخْتَصِمُوا لَدَيَّ وَقَدْ قَدَّمْتُ إِلَيْكُمْ بِالْوَعِيدِ * مَا يُبَدَّلُ الْقَوْلُ لَدَيَّ وَمَا أَنَا بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ﴾ [ق: 28-29]، فماذا عسى أن يقول قائل بعد هذا البيان الإلهي الجازم بأن الله تبارك وتعالى لا يُخلف وعيده، والله تعالى يقول: ﴿لَا تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللهِ﴾ [يونس: 64]، ويقول: ﴿إِنَّ اللهَ لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ﴾ [آل عمران: 9]. هذا ولا ريب أن الكتاب العزيز لما كان هو مصدر الهداية، وينبوع الفضيلة، ومطلع المعارف، والعِبَر، كان جديرًا للمسلمين الذين آمنوا بهذا الكتاب أن يعرضوا كل فكر على الكتاب العزيز؛ فمُعطيات الحضارة المعاصرة ينبغي أن تُحوَّر وتُطوَّر لتكون وفق تعاليم القرآن الكريم حتى لا تتصادم مع القرآن، على أن القرآن الكريم يدعو إلى الأخذ بجميع وسائل هذه الحياة، ويدعو إلى عدم إهمال أي سنة من سنن الكون، فإن الحق سبحانه وتعالى أمر عباده بأن يأخذوا بالأسباب، ومن تلكم الأسباب الحذر أيضًا من كل تأثير من قبل أعداء الأمة والدين، فالله تعالى يقول: ﴿خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا﴾ [النساء: 71]، ويقول تعالى: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ﴾ [الأنفال: 60]، إلى غير ذلك من الآيات التي تدعو إلى الأخذ بالأسباب، ومعنى ذلك أن تكون الأمة أمة غير متواكلة. وعلى أي حال الأمة مطالَبة بأن تكون حريصة على استقلالها: على استقلال شخصيتها من كل ناحية؛ من ناحية الفكر، ومن ناحية السياسة، ومن ناحية الاقتصاد، ومن ناحية الاجتماع، ومن ناحية الثقافة، ومن أي ناحية من النواحي، لتكون هذه الأمة أمة عزيزة، والله تعالى المستعان.
👤أحمد بن حمد الخليلي
📅 ٢٣‏/٦‏/٢٠١١👁 2 مشاهدة
🎬

فتاوى متنوعة - للشيخ/ أحمد الخليلي - ليلة 14 محرم 1424هـ

العقيدة

✦ فتاوى مشابهة

رمضان ونهضة الأمة

2 👁

كيف تصنع هذه الأمة من رمضان فرصة لاستعادة كرامتها ومعرفة دينها في ظل ما تمر به من مرحلة صعبة ومحاولة شرسة لتغييبها عن دينها؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١١‏/٧‏/٢٠١٣

مستقبل الأمة مع الأحداث

2 👁

كيف ترون مستقبل الأمة الإسلامية في ضوء ما شهده العام الماضي من مشكلات ودماء وبشارات؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

تقصير المسلمين المعاصرين

2 👁

هل يسمح الوضع السياسي الراهن للمسلمين بالتهاون في ميدان العلوم وترك الريادة العلمية لغيرهم؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣٠‏/١٠‏/٢٠٢٠

فهم أوضاع المسلمين

2 👁

كيف يفهم المسلمون كثرة المشكلات والفتن في العالم الإسلامي المعاصر؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
١٧‏/٨‏/٢٠١١

فرصة الأمة لقيادة العالم

2 👁

هل لا يزال لدى الأمة فرصة لتطور نفسها وتحل مشكلات العالم، وماذا تنصحونها وهي اليوم تستدعي العالم الآخر لحل مشكلاتها؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٢١‏/١٢‏/٢٠١٥

خيرية الأمة والحضارة

2 👁

هل أمة الإسلام الموصوفة بقوله تعالى كنتم خير أمة أخرجت للناس تُعد من أفضل الحضارات، وكيف تنظرون إلى الحضارة الإسلامية ومستقبلها الحاضر؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٣١‏/٥‏/٢٠١١