مكتبة الفتاوى← الرجوع للرئيسية
✓ تم نسخ الرابط

تفسير آية الحج

ما معنى قوله تعالى: من كان يظن أن لن ينصره الله في الدنيا والآخرة فليمدد بسبب إلى السماء ثم ليقطع فلينظر هل يذهبن كيده ما يغيظ؟

⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، اللهم افتح لنا أبواب رحمتك وانشر علينا أثواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم وفهمنا ما لم نفهم واهدنا إلى الطريق الأقوم إنك أنت العزيز الأكرم وأنت الرب وأنت الحكم. أما بعد، فإن هذه الآية الكريمة من سورة الحج، جاءت بعد أن تحدث القرآن الكريم عن صنفين من الناس؛ أما الصنف الأول فهم الذين ذكرهم بقوله: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ﴾، وذكر بعض خصالهم وصفاتهم، ثم قال أيضاً مبيناً صنفاً آخر: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، ﴿فَإِنْ أَصَابَهُ خَيْرٌ اطْمَأَنَّ بِهِ وَإِنْ أَصَابَتْهُ فِتْنَةٌ انْقَلَبَ عَلَى وَجْهِهِ خَسِرَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةَ﴾، وذكر بعض صفاتهم وما يحصل لهم، ثم قال: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. ومن معاني مفردات بعض الآية الكريمة قبل أن ندخل في معناها الإجمالي ما يتصل بمفردة: ﴿بِسَبَبٍ﴾ في قوله تعالى: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، فإن السبب الأصل فيه أنه الحبل، وهو الحبل الذي يصعد به على النخل، هذا هو الأصل، ثم استعمل عبارة عن كل ما يتوصل به إلى شيء، مادياً كان أو معنوياً؛ فيمكن أن يتوسل بشيء للوصول إلى غاية، فإن ذلك يصدق عليه أنه سبب، والله تبارك وتعالى يقول في كتابه: ﴿فَلْيَرْتَقُوا فِي الْأَسْبَابِ﴾، ويقول: ﴿وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا * فَأَتْبَعَ سَبَبًا﴾، فالأصل فيه أنه الحبل الذي يصعد به على النخل أو الحبل مطلقاً، ثم استعمل لكل ما يتوصل به إلى غاية، وهذا الاستعمال كثير في كتاب الله عز وجل. هذه هي المفردة التي قد يخفى معناها على الناس. المفسرون أيضاً تعرضوا لمعنى «السماء»، والأصل في السماء أنها كل ما علاك مما يظلك؛ فهي تصدق على السقف، على سقف البيت، وعلى السحب، وعلى كل ما علاك من السماء المعهودة. وبناءً على تفسيرهم لمعنى السماء اختلفت كلمتهم في معنى الآية الكريمة كما سيأتي. الجمهور رأى أن الضمير المبني الذي هو في محل نصب مفعول به في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾ يعود إلى النبي محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فالنصرة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ فهؤلاء الذين يغلب عليهم الظن أن الله تبارك وتعالى لن ينصر رسوله في الدنيا ولا في الآخرة، فإن القرآن الكريم يخاطبهم مهدداً بقوله: ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ﴾، وقالوا: هو حبل يعلقه، يمده إلى سقف بيته، ثم ينيط نفسه به، ثم يقطع ذلك الحبل حتى يسقط؛ أي ليختنق، لتختنق أنفاسه حتى يموت، ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾؛ هل هذا الكيد، هذا الترتيب الذي قام به من مد الحبل وتعليقه بالسقف ثم تعليق نفسه وقطعه واختناقه، هل أدى إلى زوال ذلك الغيظ والحنق الذي في نفسه الناشئ عن ظنه أن الله تبارك وتعالى لن ينصر نبيه محمداً صلى الله عليه وآله وسلم؟ وهذا المعنى هو قول أكثر المفسرين، ولا ريب أن فيه من الخفاء والغموض ما لا يخفى؛ كأنه دعوة إلى الانتحار أو شيء، يعني فيها ما فيها؛ كثير من المعاصرين يعترضون على هذا التفسير بمثل هذا القول. لكن ما ذهب إليه بعض المفسرين، ومنهم العلامة الطاهر بن عاشور في «التحرير والتنوير»، هو أكثر إقناعاً، ومع ذلك الذي أجده أنه لا يختلف كثيراً عما ذهب إليه جمهور المفسرين، وبالبيان يتضح المقال. فالآية عند هؤلاء المفسرين هي تذييل لما تقدمها، وآخر الأصناف التي ذُكرت هو صنف من يعبد الله تعالى على حرف؛ هؤلاء قوم دخلوا في الإسلام رجاء المغانم التي يمكن أن تتحقق لهم، فلم يحصل لهم ذلك عاجلاً كما كانوا يرجون، فاستبطؤوا هذه المغانم، فأورثهم ذلك حنقاً وغيظاً؛ لأنهم تعجلوا في الدخول في الدين ولم يتريثوا في أمره، ولأنهم غير قادرين على الخروج منه، هذه هي الصورة التي ترسمها لنا الآيات الكريمة لهذا الصنف من الناس الذين يعبدون الله تبارك وتعالى على حرف، فهم في اضطراب وقلق، يبتغون المغانم الدنيوية العاجلة، ولكنهم مستبطئون لها، لم تحصل لهم كما كانوا يرجون ويأملون. وفي هذه الحالة تأتي هذه الآية الكريمة لتبين؛ لأنها لم تأت بعطف؛ لم يقل ربنا تبارك وتعالى: «ومن كان»، ولم يقل: «ومن الناس»، لم يأت فيها عاطف، ولم تأت كما جاء ذكر الصنفين السابقين مصدَّراً كل صنف منهما بقوله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ﴾، ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ﴾، وهنا: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَعْبُدُ اللَّهَ عَلَى حَرْفٍ﴾، فهذه جاءت: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ اللَّهُ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ﴾، فهي تذييل، تحمل معنى الكشف والبيان للسبب الباعث لهؤلاء الذين يعبدون الله على حرف؛ فإنهم يرجون المغانم القريبة الدنيوية، والنصر العاجل، وأن يغنموا من ذلك، وإبطاء حصول ذلك جعلهم يشككون ويرتابون أن النصر لن يحصل لهم بدخولهم في هذا الدين وهم داخلون فيه؛ أي لم يحصل لجماعة المؤمنين، أي لم يحصل لمحمد صلى الله عليه وسلم ومن معه من المؤمنين، ومن المنافقين الذين هم من هذا الصنف. فإذا حُمل الضمير على أنه يعود على «مَنْ» في قوله: ﴿مَنْ كَانَ يَظُنُّ أَنْ لَنْ يَنْصُرَهُ﴾؛ أن ينصر هذا الذي يظن، أو أنه لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم، لا يؤدي إلى فارق كبير؛ لأن الغاية أنهم حتى لو قلنا إنه يعود إلى «مَنْ» وهو الأقرب، فإن مقصودهم لا إلى خصوص أشخاصهم، وإنما بالأوصاف التي تحلَّوا بها حينما دخلوا في هذا؛ فهذا النصر الذي استبطأوه، وهذه المغانم التي رأوا أنها تأخرت، وما أورثهم ذلك من حنق وغيظ، إنما كان باتباعهم لمحمد في ظاهر الأمر؛ فالنصر لم يحصل لهم بهذا الوصف، وهم مع محمد صلى الله عليه وآله وسلم، فلا يكون بهذا الفارق بين من قال: إن الضمير يعود على محمد صلى الله عليه وآله وسلم، أو من قال: بأنه يعود على «مَنْ» الشرطية هنا، لا يظهر فارق معنوي كبير. ﴿فَلْيَمْدُدْ بِسَبَبٍ إِلَى السَّمَاءِ ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾؛ هذا جاء على سبيل التهديد والإنذار والتعجيز والتهكم: افعلوا كل ما في وسعكم إن كان ذلك يمكن أن يغير من حقيقة الدين، ومن حقيقة نصرة الله تبارك وتعالى لدينه ولنبيه وللمؤمنين في الدنيا وفي الآخرة، وفق إرادته وحكمته وتدبيره وتقديره، لا وفق رغباتكم وأهوائكم وتوقيتكم وتقديركم؛ فافعلوا ما شئتم، اصعدوا إلى السماء، مدوا إليها الحبال، خذوا بالأسباب التي لعلكم إلى السماء تعلقون بها، ثم اقطعوا هذه الحبال؛ صورة تشبيهية في بيان العجز، وهي تحمل معنى الإنذار والتهديد بأن نصر الله تبارك وتعالى لنبيه ولدينه كائن شئتم أم أبيتم، استبطأتم أو استعجلتم، لن يغير ذلك. ﴿ثُمَّ لْيَقْطَعْ فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ﴾ هذا التدبير الذي صنعه بصعوده إلى السماء واتخاذه للأسباب في محاولته لتخفيف هذا الغيظ عن نفسه؛ هل هذا الكيد سيذهب عنه غيظه؟ هل يستطيع أن يغير من الحقائق شيئاً؟ لن يستطيع، سيظل في نفس الدائرة؛ نواميس الله تبارك وتعالى في نصر دينه ونبيه وللمؤمنين ماضية جارية وفق حكمته وإرادته سبحانه وتعالى، وقد وعدهم بالنصر في الدنيا والآخرة كما يريد هو جل وعلا، أما تدبيرهم هم فلن يغير من هذا الأمر شيئاً، وسيرجعون إلى نفس الحالة من الغيظ والحنق الذي هم فيه. هذا هو معنى الآية الكريمة. والله تعالى أعلم.
👤كهلان بن نبهان الخروصي
📅 ٢٩‏/٤‏/٢٠٢٢👁 2 مشاهدة
🎬

#فتاوى_متنوعة - د. #كهلان_بن_نبهان_الخروصي - 27 رمضان 1443 هـ

القرآن الكريم

✦ فتاوى مشابهة

تفسير آية من كان يريد العاجلة

3 👁

ما معنى قول الله تعالى: (من كان يريد العاجلة عجلنا له فيها ما نشاء لمن نريد ثم جعلنا له جهنم...)؟

👤ماجد بن محمد الكندي
٨‏/١١‏/٢٠٢٥

ربط الحج بالآخرة

2 👁

ما دلالة كثرة ربط آيات الحج في القرآن بذكر الآخرة والترهيب كقوله واعلموا أن الله شديد العقاب واعلموا أنكم إليه تحشرون؟

👤أحمد بن حمد الخليلي
٣١‏/٥‏/٢٠١١

تفسير هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله

2 👁

ما معنى قوله تعالى: هل ينظرون إلا أن يأتيهم الله في ظلل من الغمام والملائكة؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
١٦‏/٥‏/٢٠٢٠

تفسير آية قوم يونس

2 👁

ما معنى قوله تعالى: فلولا كانت قرية آمنت فنفعها إيمانها إلا قوم يونس لما آمنوا كشفنا عنهم عذاب الخزي في الحياة الدنيا ومتعناهم إلى حين؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٨‏/٤‏/٢٠٢٢

فهم آية ولله المشرق والمغرب

3 👁

هل يمكن فهم قوله تعالى: (ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله) على أن الاتجاه شرقًا أو غربًا يؤدي إلى الالتقاء بالحرم المكي بسبب كروية الأرض؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٥‏/٧‏/٢٠١٦

الدعاء للدنيا فقط

0 👁

هل من كان في دعائه يقتصر على مطالب الدنيا ولا يسأل الله أمور الآخرة يكون آثماً داخلًا في قوله تعالى: ومن الناس من يقول ربنا آتنا في الدنيا وما له في الآخرة من خلاق؟

👤كهلان بن نبهان الخروصي
٢٧‏/٤‏/٢٠٢٢