⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
المعنى الإجمالي للآية الكريمة هو أن الله تبارك وتعالى يبين سنّة ماضية منه جل وعلا في خلقه، وهي أن كل من كفر بالله عز وجل نُصِبَت له البراهين، وأقيمت عليه الحجج، ولكنه أبى وطغى وتكبر ثم استنزل العذاب، فإن إيمانه عند نزول العذاب لا ينفع، فإن العذاب حينئذ يكون عذاب إهلاك، وهذا النوع من الإيمان –إن آمن في لحظة نزول العذاب– يسمى إيمانًا اضطراريًا، نعم، فمثله مثل إيمان فرعون: ﴿حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ﴾ فكان البيان من الله تعالى: ﴿آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ﴾، فمثل هذا الإيمان الاضطراري لا ينفع صاحبه؛ لأنه يكون بعد ارتفاع العذر ونزول العذاب.
فالآية الكريمة تتحدث عن هذه السنة الماضية، تؤكد معناها وتبيّن صورها وما هو مستثنى منها، فيقول ربنا تبارك وتعالى: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾، وبقطع النظر الآن عن خلاف اللغويين والمفسرين في نوع هذا الأسلوب: هل هو أسلوب موجب أو أنه أسلوب نفي؟ هل هذا الاستثناء ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾ هل هو استثناء منقطع أو هو استثناء على أصله ومن بابه؟ المعنى –رغم تعدد الآراء– متفق عليه، وهو أن سنة الله تعالى الماضية هي التي تقدم بيانها.
﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾: "لولا" هنا للحضِّ الذي يقصد به التوبيخ، بدليل أنها تتحدث عن أمر سابق، عن سنة ماضية: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْنٌ﴾… ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ﴾، فهو توبيخ استُعملت معه هذه الأداة –أداة التحضيض– لكن يُقصد بها التوبيخ والتنديب، فقال: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ﴾… ﴿آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا﴾ أي قبل نزول العذاب، كفرت فنفعها إيمانها قبل نزول العذاب وقبل إهلاكنا إياها، ﴿إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ﴾.
فاستثنى الله تبارك وتعالى قوم يونس؛ لماذا؟ لأن العذاب لم ينزل بهم بعد. لما خرج عنهم يونس مغاضبًا أسِفوا على ما بدر منهم وبادروا إلى التوبة والإيمان، وخرجوا يعجُّون بالتوبة والإيمان لله تبارك وتعالى، فما أصابهم الله تبارك وتعالى بإهلاك ولا بسوء: ﴿فَلَوْلَا كَانَتْ قَرْيَةٌ آمَنَتْ فَنَفَعَهَا إِيمَانُهَا إِلَّا قَوْمَ يُونُسَ لَمَّا آمَنُوا كَشَفْنَا عَنْهُمْ عَذَابَ الْخِزْيِ﴾.
فلما أظهروه من إيمان في وقت السَّعَة قبل نزول العذاب –وهذا قول الطاهر بن عاشور– إن الآية ليست خروجًا عن هذه السنن والنواميس التي يقررها كتاب الله عز وجل في الأمم المهلكة؛ لأن هؤلاء لم ينزل بهم العذاب بعد، بادروا التوبة والإيمان قبل نزول العذاب فور ترك يونس عليه السلام لهم. وعندما قال بأن الاستثناء منقطع يقول: ولكن قوم يونس لما آمنوا فإنهم أظهروا الإيمان قبل… لما رأوا بوادر… لم ينزل بهم العذاب بعد؛ هؤلاء –يقولون– لما رأوا بوادر العذاب بالإنذار الذي كان من يونس عليه السلام لهم ثم بخروجه عنهم، فإنهم رأوا بعض بوادر، فخرجوا يضجُّون رجالاً ونساءً صغارًا وكبارًا، يعجُّون لله تبارك وتعالى بالتوبة والإيمان، هذا هو المقصود الإجمالي للآية الكريمة والله تعالى أعلم.