⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
فان تفقد سليمان عليه السلام لجنوده ثم الموقف الذي اتخذه حينما لم يجد الهدهد في جملة جنده من الطير الذين تفقدهم ثم ما اتخذه بعد ذلك، كل ما ورد في هذه القصة فيه دروس مستفادة، نعم هي غاية في الأهمية.
وفي صدارة هذه الدروس ما أشار إليه السائل مشكورا بقوله: التفقد. نعم، فإن من مسؤولية من يتولى أمرا من الأمور أن يكون حريصا على تفقد أحوال من معه، وأن لا يدخر وسعا في أن يتبين قيامهم بما نيط بهم وما كلفوا به، وأن يتفقد انتظامهم واستجابتهم للأوامر، وأداءهم للأمانات والمسؤوليات التي كلفوا بها. وهذا لا ريب مبدأ أصيل من مبادئ الحكم الرشيد، يعلمنا إياه القرآن الكريم، وإذ بنا نجد اليوم أن أرقى النظريات المعاصرة في الإدارة تؤكد عليه أيضا.
وهذه الخصلة، وهي خصلة التفقد والتبين والاطلاع على أحوال الجند وعلى أحوال القائمين بالأمور، هي من أبرز الصفات القيادية التي يمتاز بها أولو الأمر.
ثم بعد هذه الخصلة نجد خصلة الحزم؛ فرغم أن طيرا واحدا في جملة جنود من الإنس والجن ومن الطير والبهائم قد يبدو عند غير سليمان عليه السلام حدثا عاديا لا يُعبأ به، لكن لما أوتي إياه سليمان عليه السلام من الحكم والحكمة والنبوة لم يكن هذا الأمر حدثا عاديا، فوقف عنده، وكان حازما في الموقف؛ لأن غيابه لا بد أن يكون غيابا بعذر، فإن كان بدون عذر فهو حقيق بالعقوبة.
ونلحظ هنا -وهذه لطيفة ذكرها المفسرون- أن الأصل في الطير أنها غير مكلفة شرعا، ولكن لما كان الله تبارك وتعالى قد سخرها لسليمان عليه السلام، فإذا هي مكلفة عنده بما سُخِّرت له فيه، ولذلك فعليها أن تبدي عذرها إن غابت أو أن تتحمل عواقب خطاياها إن أخطأت، نعم، وهذا ما فعله سليمان عليه السلام؛ فانه كان حازما وتوعد الطير بالعقوبة الشديدة إن لم يأت ببينة تشفع له.
وليس حديثنا عن ذات القصة، وإنما عما يستفاد منها الآن؛ فالقائد ومن يتولى شيئا من المسؤوليات لا بد أن يكون حازما؛ فإن تغافل سليمان عما وقع من الطير بغيابه لجنده فإن ذلك سيكون مدعاة إلى أن يتخلف آخرون، وأن تسري في الجند الدعة والسكون والراحة وعدم الامتثال للأوامر. وهنا «الجند» يصدق على كل من كان تحت ولاية القائد، أولو الأمر ممن نيط بهم عمل ما ومسؤولية معينة، ومقتضى الحال هو أن يكون حازما معهم حتى لا تقع مثل هذه العاقبة بأن تسري فيهم الدعة والسكون والخمول وتجاوز الأوامر وترك الانتظام والانضباط كما يقال باللغة المعاصرة.
فكان هذا الموقف من سليمان عليه السلام درسا آخر بعد ما يتعلق بالتفقد وتبين أحوال الجند والاطلاع على انضباطهم وعلى نظامهم وعلى أدائهم لمسؤولياتهم؛ فإنه حينما يرى خللا ما كان منه الحزم بإعطاء الفرصة: إما بأن يظهر ما عنده من بينة، أو بأن يتحمل عقوبة واضحة جلية.
وكان بعد ذلك من الطير ما كان، وهذا يبين لنا سر بقاء ملك سليمان عليه السلام وسعته وقوته، وبلوغ صيته للممالك المجاورة؛ فرغم أن مملكة سبإ في ذلك الوقت كانت مملكة -كما قالوا- أولو قوة وأولو بأس شديد، نعم، ولكنهم مع ذلك إزاء ما رأوه من أحكام ملك سليمان ونفاذ حكمته وبصيرته ما أمكن لهم إلا أن أذعنوا بعد أن استطلعوا وتبينوا حال سليمان عليه السلام.
ولهذا فإن قوة الملك لا شك تقوم على النظام والحكمة والعدل، وهذه كلها مأخوذة من هذا الموقف.
هل الموضوع يقتصر على الملك فقط أم ينسحب على كل المسؤوليات؟ لا، كل المسؤوليات، أحسنتم، يعني أيا كان مستوى الحكم وولاية الأمر، فلا يسوغ أيضا... لا يقتصر على تفقد الجند، والجند هنا أي: ممن سُخِّروا لسليمان عليه السلام للقيام بأعمال شتى. نعم، ففي مختلف الأمانات والمسؤوليات لا بد من تحمل مثل هذه المبادئ والقيام بها.