⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
نعم، بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فكما تفضلت في المقدمة الضافية بارك الله فيك، فإن القرآن العظيم هو كتاب هداية الناس جميعا، هكذا أنزله الله تعالى وهكذا أراده.
ولذلك كان من أول ما وصف به ربنا تبارك وتعالى كتابه الحكيم أن قال عنه: ﴿هُدًى لِلنَّاسِ﴾، فهو هداية في ذاته لكل الناس، هو ليس هداية لفئة من الناس ولا لجنس مخصوص من البشر، وإنما هو هداية للناس جميعا هكذا أراد.
فكل ما في هذا الكتاب كتاب العزيز من أحكام وتشريعات، من مواعظ ومراد وهدايات، من أخلاق وأحكام، ومن مناهج وعبر وعضات، إنما هو للناس جميعا. وهذا أيضا ما نجده في ثنايا كتاب الله عز وجل، فنجد في سورة الإسراء قول الحق تعالى واصفا كتابه الكريم: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، فهو يهدي للتي هي أقوم، وبذلك يتبين أنه يهدي كل الناس.
ثم الرسالات التي تحدث عنها القرآن الكريم، ومنها رسالة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، إنما جاءت لهداية البشر جميعا. فالله تعالى حينما قص لنا قصص الأنبياء والمرسلين عليهم أفضل الصلاة وأزكى السلام، إنما أراد أن يبين لنا أن هدايته جل وعلا لا تختص بأحد دون أحد، ولا بجنس أو بزمان دون آخر.
ولذلك نجد أنه عندما وصف رسالة نبيه محمد صلى الله عليه وسلم عليه الصلاة، وصفها بقوله: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾.
لكن كما ذكرتَ، يبقى أن كثيرا من الناس يجهلون كيف يحققون الهداية لأنفسهم من خلال كتاب الله عز وجل، أو كيف ينتفعون من القرآن العظيم هداية ورشدا وسلوكا حسنا وصراطا مستقيما يسلكونه في هذه الحياة. يعني كثيرا ما يسمعون العلماء وأهل الذكر يتحدثون عن صفات القرآن الكريم، وأنه كتاب هداية، وكتاب موعظة، وأنه شفاء لما في الصدور، وأنه يبين للناس منهاج حياتهم، لكن لا يسمعون منهم ما يمكّنهم فعلا، ما يمكن الناس جميعا من الانتفاع والاستفادة بالمراشدة.
... هو أولا، يعني مما ينبغي أن يشتغل به بداية حتى يتمكن المسلمون اليوم من تقديم هداية القرآن الكريم للناس جميعا، يجب عليهم أولا أن يفهموه هم، وأن يعلموا كيف يستنبطون هذه الهداية ويطبقونها واقعا في حياتهم، حينها سوف يستطيعون – حينما يفهمون مصادر الهداية – لأن للاهتداء بكتاب الله عز وجل أُسُسا ينبغي أن يحققها المسلم حتى يتمكن هو أولا من فهمه ومن الاهتداء به ومن الانتفاع به قدر استطاعته، ثم بعد ذلك يستطيع أن يقدم للآخرين، أن يقدم هذه الهدايات والمراد للآخرين.
لننظر في بداية السورة الثانية من كتاب الله عز وجل في سورة البقرة: ﴿الم * ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾. الآن كل كتاب تقرأه، كل كتاب ألفه أحد من البشر نقرأه ويقرأه الناس جميعا، لا تجد كتابا يدعي مؤلفه أو مؤلفوه بأنه كتاب كامل خالٍ من الأخطاء، خالٍ من الملاحظات، إلا أن القرآن العظيم يعرّف نفسه بداية للناس جميعا بأنه كتاب لا ريب فيه، انتهى موضوع النَّقْص.
فهو يعرّف نفسه، ومع هذا التعريف بأنه لا شك ولا ريب فيه في أي جانب منه، لا في لغته ولا في أسلوبه ولا في حكمته ولا في هدايته أو أحكامه أو غير ذلك، نجد أنه يدعو الآخرين متحديا إياهم لكي يأتوا بشيء من أقل شيء، من أقل سورة من مثله. فهو لا يكتفي فقط بأن ينفي عن نفسه الريب والشك، وإنما يعرض نفسه للتحدي، مما يعني أنه فعلا لا ريب، لو كانت المسألة مسألة دعوى.
فإذا حينما تقرأ كتابا لأنه أُنزل من عند الله عز وجل الخبير الحكيم الخالق المدبر العليم بكل شيء، تعلم أنه لا ريب في هذا الكتاب، فأنت تقرأ شيئا تطمئن إليه من البداية؛ بدايةً أنت تقرأ وتَرْجِع إلى مرجع لا ريب، لا ريب ولا شك، ولا أدنى ما يمكن أن يخالط ظن الناس بأن في هذا الكتاب مدخلا. وهذا الكتاب ذاته يدعو الآخرين متحديا إياهم أن يُبرزوا شيئا مثله.
الآن نعود إلى مسألة: كيف يمكن أن نقدمه للآخرين، وبالتالي نحن كيف نفهمه؟ نفهمه أولا: هذا يحتاج إلى أن نقرأ كتاب الله عز وجل قدر استطاعتنا، لأنه كيف يمكن لنا أن نفهم شيئا لا نقرأه، نهجره ولا نرجع إليه ولا نتأمل فيه؟ ثم هذه القراءة التي نتحدث عنها هي القراءة الصحيحة، التلاوة الصحيحة المصحوبة بالحفظ ما أمكن، والمصحوبة بالتأمل والتدبر، وليست هي فقط القراءة والتلاوة لمجرد القراءة والتلاوة.
فالله تعالى أمرنا بذلك في كتابه الكريم حينما قال: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾، ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ﴾. والدعوة إلى التدبر وإلى التعلم هي مصحوبة كلما تأملنا في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، فنجد أن الحديث عن إنزال القرآن: ﴿إِنَّا أَنْزَلْنَاهُ حُكْمًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾، أنزل حُكما أي حِكمة، وهذه الحكمة أيضا هي حكمة بلسان، معبَّر عنها بلسان عربي مبين، لماذا؟ لكي يعقله الناس.
فإذاً هذه التلاوة وهذه القراءة لا بد أن تكون أيضا مصحوبة بفهم ما نقرأ، بالتدبر فيه والتأمل في معانيه، وهذا يعني أن نتقن فهم اللغة التي أنزل بها القرآن الكريم، أن نتقن فهم اللغة العربية التي جعلها الله، اختارها الله تعالى لكي تكون وعاء لخطابه للناس جميعا.
... وهذه قضية متصلة بما كنا نتحدث فيه في مسألة الفهم والتدبر، أيضا لا بد أن يكون كل ذلك مصحوبا بالعمل. فحينما نتأمل، ننظر مثلا في قول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، ذكر: ﴿الَّذِينَ يَذْكُرُونَ اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِهِمْ﴾، ثم قال بعد ذلك: ﴿وَيَتَفَكَّرُونَ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾، النتيجة ماذا؟ مزيد من الإيمان، مزيد من الخوف والخشية من الله تعالى.
فلذلك عبَّر القرآن الكريم عن حالتهم هذه بدعائهم الذي يخاطبون به ربهم تبارك وتعالى: ﴿رَبَّنَا مَا خَلَقْتَ هَذَا بَاطِلًا سُبْحَانَكَ فَقِنَا عَذَابَ النَّارِ﴾. هذه الآية المختصرة التي يحفظها كثير منا في الحقيقة تضع منهجا لنا؛ هذا المنهج هو غاية في الأهمية.
... قضية اللغة هي قضية غاية في الأهمية أيضا، لأننا لا نتحدث عنها هنا باعتبارها أداة للتخاطب فقط، أداة لفهم خطاب الله عز وجل، وإنما نتحدث عنها باعتبارها أداة للفهم، أداة للتفكير، حتى يمكن فعلا أن نصل إلى أن نعي كتاب الله عز وجل بمنهج وسط يتعامل مع هذا القرآن الكريم بناء على أنه كتاب ميسَّر، لأن الله تعالى وصفه بأنه بلسان عربي مبين، ولذلك فبيان القرآن كافٍ لجعل الناس يعون ويفهمون هذا الخطاب الذي خاطبهم به ربهم تبارك وتعالى.
وهو خطاب أيضا فيه من التشريف ما فيه لهم، لأن هذا الخطاب، وهذا الوعاء الذي أُنزل به القرآن الكريم جعل من القوم الذين أُنزل عليهم، ومن اللغة التي أُنزل بها القرآن الكريم لغة عالمية للمسلمين جميعا، فاجتمع لهم مع وحدة الدين وحدة اللغة، لكن للغة قواعدها، وللغات أيضا أساليبها التي ينبغي أن تُتقن وأن يُتدرَّب عليها وأن تُمارَس. هذه اللغة هي التي يفهم بها كتاب الله عز وجل.