⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا ونبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فإن الله سبحانه وتعالى أنزل القرآن الكريم كون طريق هداية، ومنهج حياة، وسلم ارتقاء، ونورًا وضّاءً يبدّد ظلمات الطبع ويبدّد ظلمات الحياة بأسرها.
جعله الله سبحانه وتعالى هدىً للناس، كما قال في وصفه: هدىً للمتقين، وقال: هدىً للناس وبيّناتٍ من الهدى والفرقان، وقال: هدىً ورحمةً للمحسنين، وقال: هدىً وبُشرى للمؤمنين، وقال: ﴿إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ﴾، وقال سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ﴾ [القمر: 17].
ومعنى هذا أن كل من يقرأ القرآن عليه أن يتذكّر بما في القرآن الكريم من تذكير، وعليه أن يعتبر بما فيه من عِبَر، وعليه أن يهتدي بكل ما فيه من هداية، وعليه أن يُصلح نفسه بكل ما فيه من إصلاح؛ فالقرآن الكريم يسّره الله سبحانه وتعالى لأن دينه ميسّر، هذا الدين لم يَجِئ بالتعقيد، لا في العقيدة، ولا في العبادات، ولا في الأخلاق، ولا في المعاملات، ولا في أي ناحية من نواحي التشريع، إنما جاء هذا الدين باليُسر من عند الله سبحانه وتعالى.
ولما كان القرآن الكريم هو وعاء هذا الدين فإن الله سبحانه وتعالى يسّر القرآن، ولكن علينا أن نفرّق بين الاقتحام على القرآن الكريم ومحاولة تفسيره بحسب ما يتسنّى للنفس من فهم، وبين التدبّر الذي يجعل الإنسان يحرص كل الحرص على أن يكيّف حياته وفق مُقتضيات القرآن.
أمّا الجانب الأول وهو جانب التفسير فإنه يُحجَر على الإنسان أن يقول فيه بدون بيّنة وبدون بصيرة؛ لأن الله سبحانه حرّم التقول عليه بغير علم، ومن المعلوم أن القرآن الكريم هو كلام الله، فإذا وجّهه الإنسان توجيهًا غير ما أراده الله سبحانه وتعالى فقد تَقوَّل على الله بغير علم، والله تعالى قرن ذلك بالشرك عندما قال: ﴿قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ﴾ [الأعراف: 33].
لذلك قال العلماء بأن من يتحدّث عن القرآن أو يستنبط حكمًا من القرآن الكريم إنما عليه أن يكون عارفًا بوجوه شتى؛ عليه أن يكون قادرًا على التفريق بين الإجمال والتفصيل، لأن في القرآن الكريم مجملاتٍ كثيرةً فُصِّلت بتفاصيل متعدّدة، فمنها ما فُصِّل بالقرآن نفسه، ومنها ما فُصِّل بالسنة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام، ومنها ما فُصِّل بالإجماع، ومنها ما كان بيانه بالعقل.
مثال ما كان بيانه بالعقل قول الله تعالى: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾ [الأنبياء: 22]، فإن هذا الفساد إنما العقل يبيّنه؛ لأن العقل السليم يدل على أن هذا الكون لو كان صادرًا عن أكثر من مكوِّن واحد لأدّى ذلك إلى أن يستقلّ كلٌّ منهم بمراده عن مراد الآخر، وإذا استقلّ كلٌّ منهم بمراده عن مراد الآخر فإن ذلك ممّا يؤدي إلى فساد هذا الكون؛ لأن كلًّا منهم يريد غير ما يريده الآخر، وهذا ممّا يؤدي إلى التنازع ويؤدي إلى الاضطراب، لكن الانسجام العجيب في نظام هذا الكون بحيث إنه يشكّل وحدة متكاملة، كل جزءٍ منه مكمِّلٌ لبقية الأجزاء، دالٌّ على أنه صادر عن مكوِّن واحد.
وكذلك على من يتحدّث في تفسير القرآن الكريم أو يحاول أن يستنبط منه حكمًا أن يكون قادرًا أيضًا على التفريق بين الخاص والعام، وبين المحكم والمتشابه، وبين المطلق والمقيّد، وبين الناسخ والمنسوخ، هذه الجوانب إنما يُعنى بها من يفسّر.
لكن بطبيعة الحال هناك أشياء عامة في القرآن الكريم يمكن أن يتدبّرها الإنسان حتى ولو كان غير عارف بهذه الجوانب أو غير ملمٍّ بها؛ فإنه يمكنه أن يتدبّر؛ فالإنسان الذي يقف بين يدي الله سبحانه وتعالى وينطق بقوله: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾ [الفاتحة: 2] لا ريب أن هذه الجملة أو هذه الآية الكريمة توحي إليه إيحاءات، فعليه أن يتدبّر، وأن يُدرك أن كل ما في الكون إنما يَصدُق عليه أنه عالم، العالمون جمع عالم، والعالَم كل ما كان علامةً ودليلاً على الله سبحانه وتعالى وعلى وجوده وعلى عظمته وعلى صفاته العظيمة، فلما كان كذلك فعلى هذا الإنسان أن يشعر وهو يمثل بين يدي الله تعالى أن ربوبيته سبحانه وتعالى شاملة لكل شيء.
كذلك عندما يأتي الإنسان مثلاً إلى قول الله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾ [الفاتحة: 4] فإنه يشعر بذلك اليوم، يوم المنقلب ويوم الجزاء، وكذلك كل ما يتلوه من آيات الله سبحانه وتعالى التي تتحدّث عن دار الآخرة وما فيها من نعيم وجحيم، وما فيها من رحمة وعذاب، فإن هذا مما يستدعي الإنسان أن يفكّر في هذا الأمر، وأن يُمعن فيه نظره، وأن يحرص على أن يستشعر عظمة ذلك اليوم وجلال الموقف في ذلك اليوم، وأن يستشعر انقلابه إلى الله سبحانه وتعالى في ذلك اليوم، واحتياجه وافتقاره إليه سبحانه وتعالى مع كون الله سبحانه وتعالى غنيًّا عنه.
نعم، كذلك عندما تأتي آية من القرآن الكريم فيها وصيّة بالتقوى فإن عليه أن يستشعر وجوب التقوى، وأن يتدبّر ذلك، وأن يُدرك أن الله تعالى هو أحقّ أن يُتَّقى؛ لأنه الخالق، ولأنه القادر على كل شيء، ولأن النعمة كلّها من عنده، ولأن المنقلب إليه.
كذلك عندما تأتي آية فيها وصية بحق الوالدين مثلاً، أو بحق الأرحام، أو بحق الجوار، أو بحق كل ذي حق، أو بحق المؤمنين – أيًّا كان – أو بحق البشر، فإن هذا مما يستدعي أن يكون الإنسان حريصًا على تدبّر ذلك واستشعار هذا الحق الواجب عليه.
وهكذا عندما يتلو من الآيات التي تُذكِّر بنعم الله سبحانه وتعالى نحو قوله سبحانه وتعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 21-22]، عندما يتلو هذه الآيات عليه أن يستشعر هذه النعمة؛ أن يستشعر نعمة خلقه، ونعمة خلق الأصول التي خرج منها، ونعمة خلق الأرض وكيف سُخِّرت هذه الأرض تسخيرًا، وجعلها الله تعالى بَساطًا للإنسان، وجعلها صالحةً لأن يستقرّ عليها الإنسان، وكيف جعل الله سبحانه وتعالى هذا النظام الذي يربط ما بين هذه الأرض وما بين السماوات العُلى، وأن يستشعر أيضًا نعمة الله سبحانه وتعالى عليه وعلى الجنس البشري وعلى جميع الأحياء بإنزال الماء من السماء، ولو أن الله سبحانه وتعالى أمسك قطر سمائه، أيُّ يدٍ تستطيع أن تستنزل ما أمسك الله؟ ولو أن الله سبحانه وتعالى أيضًا أمسك نبات أرضه، أيُّ يدٍ تستطيع أن تستخرج ما أمسكه الله سبحانه وتعالى؟ كل ذلك مما يقتضي أن يتدبّر الإنسان هذه الجوانب.
وكذلك النعم الأخرى، إذا جاء مثلاً إلى قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ إِلَى طَعَامِهِ أَنَّا صَبَبْنَا الْمَاءَ صَبًّا ثُمَّ شَقَقْنَا الْأَرْضَ شَقًّا فَأَنْبَتْنَا فِيهَا حَبًّا وَعِنَبًا وَقَضْبًا وَزَيْتُونًا وَنَخْلًا وَحَدَائِقَ غُلْبًا وَفَاكِهَةً وَأَبًّا مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ﴾ [عبس: 24-32]، عليه أن يستشعر هذه النعم؛ فهذا هو التدبّر الذي يُطالَب به كل إنسان؛ فالله تعالى يقول: ﴿أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَىٰ قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا﴾ [محمد: 24].
لا عبرة في هذا بالعلم والجهل؛ لأنه قد يكون الإنسان خبيرًا باللغة العربية، وقد يكون أيضًا خبيرًا بأصول الفقه، وقد يكون خبيرًا بعلوم القرآن، لكن قلبه كأنما غُلِّف عليه فهو لا يتدبّر القرآن الكريم؛ كم من أحد لا يتدبّر القرآن، يتلو آيات النِّعَم – نعمِ الله سبحانه وتعالى – ولا يشعر بعِظَم هذه النعم وجلال هذه النعم، وكذلك يتلو الآيات التي تتحدّث عن جلال الله سبحانه وتعالى، ولا يشعر شيئًا من ذلك، لا يشعر بهيبة الموقف بين يدي الله سبحانه وتعالى؛ كل ذلك لأن هذه القلوب عليها أقفالها، بخلاف القلوب المؤمنة، القلوب الرقيقة، فإن هذه القلوب تهشّ وتتأثر بالقرآن الكريم بمجرد تلاوته؛ لأنه يتغلغل في أعماقها.
نعم.