⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، لا، هي ليست بالنسبة؛ يتفاوت الناس في مداركهم وفهومهم، ونحن اليوم ينبغي لنا أن نعترف: هناك مزيد إقبال من المسلمين – لا سيما من فئة الشباب – على التدبر في آيات الكتاب العزيز، وعلى أن يكونوا أكثر تمسكًا به واعتزازًا به، لكن الوضع العام أن هناك حالة من الجهل باللغة العربية، وبعلوم القرآن الكريم، وبالعلوم اللازمة لكي نتمكن من فهم القرآن العظيم واستجلاء معانيه، نعم، وهذه الحالة لابد أن تتغير.
فلا بد لنا أن ننفي عن أنفسنا هذا الجهل، وأن نحرص على أن نتعلم، والقرآن الكريم – كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «علِّموا أولادكم القرآن فإنه أول ما ينبغي أن يُتعلَّم من علم الله هو» – ولا يتحصل ذلك إلا بإيلاء اللغة العربية العناية القصوى. لا يصح أن تتأخر معرفتنا بلغتنا التي أكرمنا الله عز وجل بها وخاطبنا بها في كتابه الكريم، اختصها دون سائر اللغات لنا في القرآن الكريم في الوحي الخاتم، ثم نأتي نحن بعد ذلك ونتأخر عن دراستها وتعلمها وإتقان فنونها وأساليبها.
هذا لا ينفي – كما تقدم – أن هناك محاولات، وأن وضع الناس اليوم أحسن بكثير، لكن ما الذي يعاني منه الناس اليوم؟ يعانون حينما يشتكون من أن بعض آيات الكتاب العزيز تستغلق على أفهامهم، وأنهم يجدون صعوبة في فهمها؛ ليس السبب في صعوبة القرآن الكريم نفسه، وإنما المشكلة في ضعفنا نحن، وعدم تمكننا من الأدوات اللازمة لنا للفهم. فعلينا أن نتعلم، وأن نطوِّر من قدراتنا، وأن نسعى إلى أن ننفيس العلم، نعم، حينئذ إذا سرنا وفق المنهج الموصوف فإنه سيسهل لنا التعامل مع آيات الكتاب العزيز.
بقي أن هناك – لا شك – فارقًا بين التفسير والتدبر؛ التدبر – كما هو، ولعلها سبقت الإشارة في مناسبة ماضية – مأخوذ من الدُّبُر الذي يأتي عقب الشيء، فالمعنى الإجمالي المأخوذ من الآية القرآنية هو تدبر، نعم، لكن الوقوف عند معنى كل كلمة، أن يقف عند معنى الآية كلمة كلمة، مفردة مفردة، وأن ينظر فيها من كل النواحي: من النواحي اللغوية والبيانية والبلاغية والحِكْمية والعرفية، وكل ما يصحب تلك الكلمة، هذا هو التفسير.
وفي التفسير مجالات؛ قد يسلط المفسر نظره نحو الأحكام الشرعية، وآخر نحو العِظات والعِبَر، وثالث نحو وجوه البيان ولطائف الإعجاز في القرآن الكريم، وهكذا تتنوع مشاربهم، لكن هذا هو التفسير: أن يقف مع كل كلمة لينظر في معانيها ودلالاتها، ثم ينتقل إلى الكلمة الأخرى، ثم ينظر في دلالة الآية أو الجملة القرآنية أيضًا: ما هو نظم القرآن فيما تقدمها وفيما أتى بعدها، وما صلة هذه السورة بما قبلها من السور أو ما بعدها من السور، هذا عمل المفسر.
أما الذي يتدبر فإنه ينظر في المعنى، لكن هذا لا يعني أن يكون خارج المنهج العلمي الصحيح؛ ولذلك حذر رسول الله صلى الله عليه وسلم – عليه الصلاة والسلام – من تحريف الغالين، وانتحال المبطلين، وتأويل الجاهلين: يكون جاهلًا ويأتي يؤول آيات الكتاب العزيز، ويأتي بأحكام بعيدة، تناقض القرآن الكريم نفسه.
وكم نرى في زماننا هذا أن أمثال هؤلاء – ومع ذلك تجد أن جماهير الناس يتناقلون ما يقولونه وهو مناقض لما في كتاب الله عز وجل، بل حتى لو قلنا بأنهم لا يعرفون ماذا في القرآن الكريم، تجد أن أمثال هؤلاء يناقضون أنفسهم؛ يقولون اليوم شيئًا ثم يناقضه في الغد ليبرر شيئًا آخر وهكذا، والله تعالى أعلم.