⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولا: هو سأل عن المَلحَظ التربوي في قول سيدنا سليمان عليه السلام: ﴿قَالَ سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ﴾ [النمل: 27].
هذا تَثَبُّت وتبيُّن؛ فإن من كان متولِّيا لإدارة حُكمٍ ومُلكٍ وللشؤون، رعيةً كانت أو غيرها، فعليه أن يتفقد رعيته، والمهمات التي أُسنِدت إليهم، وأن يتفقد قيامهم بهذه المهمات والمسؤوليات التي نيطت بهم، والوسائل التي يراها.
ولذلك فإن صدر الآيات: ﴿وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَا لِيَ لَا أَرَى الْهُدْهُدَ﴾ [النمل: 20]، «أم كان من الغائبين». الآن سيدنا سليمان عليه السلام – حتى في حالة التفقد – يعلِّمنا ألا نتعجل في الحكم؛ فلعله لم يره، لعله كان مختفيا، لعله لم ينتبه له، ولذلك قال: «ما لي لا أرى الهدهد»، فلما تبيَّن له أنه تفقد التفقد المطلوب، وأن الهدهد غير موجود، قال: «أم كان من الغائبين».
إذن الملحظ الأول هو ملحظ لزوم التفقد والتأكد من الرعية وذوي المسؤوليات والمهمات التي يكلَّفون بها.
… فقدان الطير أورثه غضبا، فتدرَّج من الأعلى إلى الأدنى، لم يلبث هذا الغضب – لم يستحكم منه – فبدأ بالوعيد: «لأعذبنَّه عذابا شديدا أو لأذبحنَّه أو ليأتينِّي بسلطان مبين» [النمل: 21]؛ درجة العفو التي يدفع بها عن نفسه العذاب الشديد أو الذبح هي درجة العدالة والإنصاف، أو يأتيني بسلطان مبين؛ إذاً عدم التعجُّل في إصدار الحكم، والمطالبة بالبيِّنة والسلطان المبين والحجَّة قبل أن يُصدر حكمه، مع وضوح ما الذي ينتظره إن لم يكن له سلطان مبين.
… ثم بعد ذلك في السياق القرآني – ربنا تبارك وتعالى لما ذكر هذا الملحظ الذي سأل عنه السائل، قبل أن نصل إلى ما قاله الهدهد – قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾ [النمل: 27-28].
الآن: ما الذي قاله الهدهد؟ قال: ﴿أَحَطتُ بِمَا لَمْ تُحِطْ بِهِ وَجِئْتُكَ مِنْ سَبَإٍ بِنَبَإٍ يَقِينٍ﴾ [النمل: 22]؛ هذا يخاطب سليمان عليه السلام في مقام النبوة والحكم، وسُخِّرت له الريح والجن والإنس والطير، وهو هدهد، يقول لسليمان عليه السلام: «أحطتُ بما لم تُحِطْ به»، ثم يؤكد ما يدفع به عن نفسه: «وجئتك من سبإ بنبإ يقين»؛ ليدفع عن نفسه التهمة.
وهذا يدل على أنه في مستوى من التأهيل والتدريب وإسناد المسؤولية، وأنه أهلٌ لها؛ بدليل هذا الخطاب، ثم إن هذه الأوصاف التي استعملها: ﴿وَجَدْتُ امْرَأَةً تَمْلِكُهُمْ﴾، ﴿وَأُوتِيَتْ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾ [النمل: 23]، ثم انتقل إلى الجانب الأهم فقال: ﴿وَجَدْتُهَا وَقَوْمَهَا يَسْجُدُونَ لِلشَّمْسِ مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾ [النمل: 24]؛ تحدَّث عن هذا الجانب الإيماني وتحدَّث عن أسبابه.
فهذا الذي سمعه منه سليمان عليه السلام كان كافيا لأن يقيم الحجة عليه، وأن يختاره لهذه المهمة، أن يرسله بالكتاب؛ قال: ﴿سَنَنْظُرُ أَصَدَقْتَ أَمْ كُنْتَ مِنَ الْكَاذِبِينَ * اذْهَبْ بِكِتَابِي هَذَا فَأَلْقِهْ إِلَيْهِمْ﴾، فاختاره لأنه أهل، لأنه ذو كفاءة، لأن تدريبه كاف، ثم إنه سيقيم الحجة عليه من نفسه، وعند سليمان عليه السلام من أدوات الحكم والملك والوسائل ما يعينه على تبيُّن هذا الرسول وأدائه لهذه المهمة وصدقه فيها، وهذا هو الذي حصل.
… وأما لماذا اختار الهدهد دون الحمام، فلأنه – كما يقولون – أكثر خِفَّةً، وأكثر ذكاء، وأقلُّ طلبا للماء والغذاء، وأقدر على تبيُّن مواضع المياه في باطن الأرض، إلى آخر ما يقول كثير من علماء الطير، وما كشفه العلم المعاصر من مزايا وصفات في الهدهد لا توجد في الحمام.
والقصة فيها وقفات كثيرة ماتعة شائقة، لكن هذا القدر يجيب عن سؤال السائل وزيادة إن شاء الله تعالى.
والله تعالى أعلم.