⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
اللهم افتح لنا باب رحمتك، وانشر علينا أبواب حكمتك، اللهم علمنا ما لم نعلم، وفهمنا ما لم نفهم، واهدنا إلى الطريق الأقوم، إنك أنت العزيز الأكرم، وأنت الرب وأنت الحكم.
أما بعد، فإن الكلمة التي يمكن أن تقال له هي ما ذكرها بنفسه في سؤاله، حينما قال مقتبسًا قول الله تبارك وتعالى: ﴿وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ﴾ ﴿أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ﴾، فإن الله تبارك وتعالى حينما يخلص العبد في ضراعته إليه، وينيب إلى مولاه، ويأخذ بالأسباب، ويدعو وهو موقن، ويحسن ظنه في ربه تبارك وتعالى، فإن الله عز وجل أكرم وأرحم من أن يرد عبده صفر اليدين.
نعم، لكن الناس يتعجلون، ثم إنهم يتطلبون أن تكون إجابة دعائهم على النحو الذي يريدونه هم، وهذا ما لا ينتبه إليه كثير من الناس، فإن الله تبارك وتعالى إذا أراد بالعبد خيرًا هيأ له الأسباب وساقه إليها، وإن كانت على خلاف ما يريد هو، فإن الله عز وجل هو الحكيم الخبير، وهو المتصرف في هذا الكون.
والواحد منا ضعيف قاصر، مداركه قاصرة، ويرغب في أن ينال الشيء عاجلًا، ومن طبع الإنسان أنه عجول كما بين ربنا تبارك وتعالى، قال: ﴿خُلِقَ الْإِنسَانُ مِنْ عَجَلٍ﴾.
إذًا المفتاح الذي يبحث عنه هو في أن يكل الأمر إلى ربه تبارك وتعالى، فلعل إجابة دعائه كانت – كما قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم –: دفع عنه من السوء قدر ما دعا، أو أن إجابة دعائه كانت بادخار الأجر والثواب له في الآخرة، وهذا هو مطمح المتقين الصالحين، أو أن إجابة دعائه ستكون في الوقت الذي يريده الله تبارك وتعالى.
وفي هذا السياق ينبغي لي أن أذكر أن قصة تُذكر شبيهة بقصة سائلنا – هدانا الله وإياه –، يقول أيضًا هذا الرجل، مع اجتهاده في العبادة والطاعة وتحريه لإطابة مطعمه ومشربه، يقول: كنت أدعو ربي أن ألتحق بالجهاد، أن أخرج مجاهدًا غازيًا في سبيل الله، ولم تتهيأ لي الأسباب، وكنت ألِحّ في الدعاء – إن لم تخنِّي الذاكرة – لما يقرب من ثلاثين سنة.
ففي يوم كنت في المسجد، وجاءني رجل صالح فاضل تقي، وقال: أنت فلان؟ فقلت: أنا فلان. قال: فإني قد رأيت فيك رؤيا – ولا يعرفه –. قال: وما ذاك؟ قال: رأيتُ آتيًا في المنام يطلب مني أن أبلغك أنك إذا خرجت غازيًا أُسرتَ، وإذا أسرتَ تنصرتَ. قال: فساعتها تنبهتُ إلى نفسي، فالله عز وجل هو الذي يختار لعباده.
لننظر نحن في ما نجده في كتاب الله عز وجل، فإن خروج المسلمين إلى غزوة بدر كان ثقيلاً على طائفةٍ منهم، حينما دعاهم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم للخروج، قال: من كان ظهرُه حاضرًا فليلحق بنا، فإن لنا طلبةً، ولذلك خرجوا وهم في تلك الحالة كما قال الله تبارك وتعالى: ﴿كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنظُرُونَ﴾.
ما الذي كان يريده الذين خرجوا لملاقاة القافلة؟ ﴿وَتُرِيدُونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾، لكن هناك إرادة أخرى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ * لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾.
هذا الأمر كان خفيًّا عنهم، هم كانوا يريدون أن يستعيدوا ما قدَّره الله تعالى لهم من القافلة ليستردوا به أموالهم، كانوا يريدون الغنيمة الباردة – بنص القرآن الكريم: ﴿وَتُرِيدُونَ أَنَّ غَيْرَ ذَاتِ الشَّوْكَةِ تَكُونُ لَكُمْ﴾ – لكن هناك إرادة أخرى: ﴿وَيُرِيدُ اللَّهُ أَن يُحِقَّ الْحَقَّ بِكَلِمَاتِهِ وَيَقْطَعَ دَابِرَ الْكَافِرِينَ﴾.
فتبيَّن أن ما عانَاه المسلمون كان لأجل إعزاز دين الله تبارك وتعالى، ولأجل أن يتبوؤوا المنازل العالية، فلا مقارنة بين أحد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وبين أهل بدر، وسطَّروا مجدًا خالدًا، أثنى عليهم الله تبارك وتعالى في كتابه، وأثنى عليهم رسولُه صلى الله عليه وآله وسلم في عدد من أحاديثه الصحيحة، ولهم المقام الأعلى في نفوس المسلمين جميعًا، مع أن الحال الذي ذكره الله تبارك وتعالى عنهم هو كما تقدم.
فإن في مثل هذه الدروس والعظات ما يعزز اليقين في نفس المؤمن حينما يدعو ربه تبارك وتعالى مجتهدًا، متوخّيًا ما يرى أن فيه خيرًا له، لكن عليه بعد ذلك أن يفوّض أمره إلى الله تبارك وتعالى، وأن يثق أن الذي سيكتبه له ربُّه تبارك وتعالى خيرٌ له مما يريده هو.
وهذا لا يمنع في الختام أن يرجع على نفسه بالحساب، وأن يصحح ما عسى أن يكون قد وقع فيه من شيء من الأخطاء، وأن يجدد صلته بالله تبارك وتعالى بالتوبة والاستغفار، وبالإكثار من الصالحات، وبالأخذ بالأسباب الداعية إلى استجابة دعائه.
والله تعالى أعلم.