⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هو فَهْمُ نوحٍ عليه السلام –يعني ما يتناسب مع مقام نوحٍ عليه السلام، مقام الرسالة والاصطفاء من الله تبارك وتعالى– أن الله عز وجل أذِنَ له في أن يأخذ أهله؛ ولذلك قال: ﴿وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ﴾ [هود: 40]، ﴿وَمَنْ آمَنَ﴾، ﴿وَمَا آمَنَ مَعَهُ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ [هود: 40].
ولذلك دعا ولده، قال: ﴿يَا بُنَيَّ ارْكَبْ مَعَنَا﴾ [هود: 42]، فكان الجواب من الولد: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، قال: ﴿لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾، ﴿وَحَالَ بَيْنَهُمَا الْمَوْجُ فَكَانَ مِنَ الْمُغْرَقِينَ﴾ [هود: 43].
إذًا هذا هو الأظهر في سبب مناشدة نوحٍ لربه جل وعلاه؛ ولذلك قال: ﴿رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي﴾ [هود: 45]، ﴿وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ﴾، ﴿وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ﴾، فجاءه الجواب: ﴿يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾ [هود: 46]؛ لماذا؟ لأنه ﴿عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ﴾، عملٌ غير صالح.
هل هو الشرك، أو أنه عصيان؟ من المفسرين من يقول: بأنه كان أصلًا من جملة المشركين، ومنهم من يقول بأن امتناعه عن الركوب في السفينة كان عصيانًا؛ لأن أباه دعاه إلى الركوب: ﴿ارْكَبْ مَعَنَا﴾، قال: ﴿سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، فكان هذا مخالفةً لأمر الله تبارك وتعالى الذي أتى به نوحٌ عليه السلام.
فعلى الوجهين هذا هو معنى: ﴿إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ﴾؛ لأن الكفر –سواء كان كفرًا مليًّا بالشرك، أو كان بالعصيان والفسوق– قاطِعٌ للأواصِر والعلاقات؛ فإنه ليس من أهلك، إنه عملٌ غير صالح؛ هناك قراءة: "عَمِلٌ غيرُ صالح"؛ ما هو العمل غير الصالح الذي ارتكبه؟ هذا عملٌ غير صالح؛ هذا الوصف كأنه تلبَّس به تمامًا فصار هو عملًا غير صالح، وعَمِلَ عملًا غير صالح، وما تقدم بيانه في قوله: ﴿قَالَ سَآوِي إِلَى جَبَلٍ يَعْصِمُنِي مِنَ الْمَاءِ﴾، ﴿قَالَ لَا عَاصِمَ الْيَوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلَّا مَنْ رَحِمَ﴾ [هود: 43].
فأمّا ما ينصرف إلى أذهان كثير من الناس من نفي صِلَة الأبوة بين نوحٍ وابنه –أي أنه ليس من صُلْبِه– فهذا مُنَزَّهٌ عنه نوحٌ عليه السلام، ويُنَزَّه عنه الأنبياء؛ يُنَزَّهون في أعراضهم، ولا يمكن أن يُقدح في عِرْض نبيٍّ من أنبياء الله تبارك وتعالى أبدًا، وهذا لا وجه له: لا لغةً ولا شرعًا؛ فلا اللغة تحتمله، ولا الشرع يحتمله، وإنما هو مما –للأسف الشديد– سرى في أذهان كثير من الناس؛ إمّا أن يكون ناشئًا عن جهل، أو أن يكون ناشئًا عن أساطير وخرافات تناقلها الناس.
… ما يتعلق بالشرف والعِرْض فالأنبياء لا يُتَّهَمون في أعراضهم، وما كان ليتصوّر من عموم الناس أن يُمسِكَ امرأةً متهمةً في عرضها، فكيف بالأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه عليهم؟ نعم، يجب الحذر تمامًا من مثل هذه الأقوال، ومن قبولها، يجب أن تُرَدَّ تمامًا.
والله تعالى أعلم.