⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
وأما معناه فليس المقصود منه أن يكون استفتاءُ القلب، أن يستفتي المرء قلبه، هو الوسيلةَ للتعرُّف على الحلال والحرام؛ هذا غير مقصودٍ أبدًا، ولا يُقصَد من الحديث أيضًا ذوو النفوس المريضة الذين ابتُلوا بشهوات الدنيا وزخارفها، وامتلأت قلوبهم بآفات الدنيا بعيدًا عن مراشد هدايات كتاب الله عز وجل وسنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، هذا باتفاق.
وإن كان أهل العلم قد نحَوا مناحيَ شتَّى في تفسير الحديث؛ فمنهم من رأى بأن الحديث إنما يتعلَّق بباب الورع، لأن الروايات الأخرى تتحدَّث عن حُسن الخلق، لا تتحدَّث عن الحلال والحرام وعن الأحكام الواضحة، وإنما تتحدَّث عمَّا يتعلَّق بباب الورع والاحتياط في الدين والابتعاد عن الشبهات.
ومن العلماء من يقول بأن الحديث يؤكد أهمية استفتاء أهل الذِّكر؛ لأنه قال: «والإثم ما حاك في النفس وكرهتَ أن يطَّلع عليه الناس»، فقال: «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك»، فهذا يعني أنه استفتى أهل العلم؛ فالناس هنا عامٌّ أُريد به الخصوص، وهم أهل العلم والذِّكر، ومن يُقصَدون في تبيين أحكام دين الله تبارك وتعالى، قال: «وإن أفتاك الناس وأفتوك»، فإن وجدتَ في نفسك ريبًا، وحاك في نفسك ما سمعتَه ممن استفتَيتَ، فليس لك أن تأخذ بقول من استفتَيت، بل عليك أن تبتعد عنه وأن تجتنبه.
فقد يكون المفتي في حالٍ لم يسمعْك فيها جيدًا، لم يسمعْ فيها تفاصيل الموضوع، أو أنك أخفيتَ أمرًا ما، علمتَه إلا من بعد؛ فالحديث يقول: «وإن أفتاك الناس وأفتوك»، معنى هذا أنه قد استفتى، لكن بقي في نفسه شيءٌ مما يتعلق بها، شيءٌ من الريبة، فليس له أن يحتجَّ بقول العالم رغم ما حاك في نفسه من ذلك.
ومع ذلك فإننا إذا نظرنا في سنَّة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم سنجد ما يبيِّن لنا معنى هذا الحديث؛ وفي صدارتها حديث أبي عبد الله النعمان بن بشير، قال: سمعتُ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: «الحلالُ بيِّن، والحرامُ بيِّن، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلَمهن كثيرٌ من الناس، فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام، كالراعي يرعى حول الحِمى يوشك أن يرتع فيه، ألا وإن لكلِّ مَلِكٍ حِمًى، ألا وإن حِمَى الله محارمُه».
هذا الحديث يبيِّن فيه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن الحلال بيِّن، وأن الحرام بيِّن، وأن أحكام الشرع من وحي الله تبارك وتعالى، ذلك ما جاءت به الشرائع في كتاب الله عز وجل وعلى لسان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وبينهما أمورٌ مشتبهات لا يعلمهن كثيرٌ من الناس؛ هنا يأتي «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك»، بدليل أنه قال: «فمن اتَّقى الشبهات فقد استبرأ لدينه وعِرضه، ومن وقع في الشبهات فقد وقع في الحرام…».
يؤكِّد ذلك أيضًا الحديثُ المشهور، وهو قولُه صلى الله عليه وآله وسلم: «دَعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك»؛ فالأمر الذي يُشكِل عليك، وتجد فيه ريبة، فإن عليك أن تجتنبه وتتركه: «دعْ ما يَريبُك»، فإذا خلا من الريب والشكوك، واطمأنَّت نفسُك له، وكان في دائرة الحلال، فحينئذٍ تأخذ به: «دعْ ما يَريبُك إلى ما لا يَريبُك».
إذًا هذه الأحاديث تُبيِّن المقصود بحديث «استفتِ قلبك وإن أفتاك الناس وأفتوك».
والله تعالى أعلم.