⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أنا عندي نظر في معنى هذه الآية الكريمة.
أولًا لنأتِ إلى ما يذكره المفسرون: المفسرون يذكرون مثل هذا المعنى، وأن هذا الحظ البشري الفِطري الموجود عند البشر مما لا يتبعونه –عند أهل الصلاح والتقوى– بأثر، فيكبتون حظوظ أنفسهم فيما يتعلق بالغل، هو الذي بوَّأهم المنازل العالية، وأراحهم الله عز وجل منه في الآخرة بنزع هذه الحظوظ الفطرية من قلوبهم. يعني يدور كلامهم حول هذا المعنى التفسيري التقليدي: أن هذا الحظ من الغل الموجود في القلوب هو –أولًا– فطري بشري، ثانيًا: لم يتبعوه لا بقول، ولا بفعل، ولا بإساءة ظن، وإنما كبتوه، وجاهدوا نفوسهم، وزكُّوا النفوس، فبلغوا هذه المراتب، فلم يكن ذلك الحظ البشري الفطري مؤثرًا في صلاحهم أو استقامتهم أو تقواهم، ثم أكرمهم الله عز وجل باستلال هذا الحظ في الآخرة. وهذا المعنى مقبول.
لكن الذي أجده أكثر إقناعًا: أنظر في الآية الكريمة: ﴿وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ﴾ ﴿إِخْوَانًا عَلَىٰ سُرُرٍ مُتَقَابِلِينَ﴾، الوقت الذي أيضًا نجد في كتاب الله عز وجل أنه ورد على لسان الأتقياء: ﴿رَبَّنَا لَا تَجْعَلْ فِي قُلُوبِنَا غِلًّا لِلَّذِينَ آمَنُوا﴾؛ إذاً ما الغل الذي يحمله المؤمنون الأتقياء في قلوبهم؟ هو غلٌّ على أهل الكفر والعناد والعداوة لدين الله تبارك وتعالى؛ يحملون غلًّا في صدورهم لمن ناصب العداء لدين الله عز وجل، ولمنهج الخير والرشد والصلاح والاستقامة، ولمن عادى أنبياء الله عز وجل وكذَّب رسالاته جل وعلا؛ يحملون غلًّا في قلوبهم، فتشفى صدورهم بعواقب هؤلاء في الآخرة.
حينما يرون أن الله تبارك وتعالى قد جازى هؤلاء المعاندين المبطلين المشركين الجاحدين بعذاب جهنم، فإن ذلك يشفي صدور المؤمنين، يُذهب عنهم ما كان في صدورهم من غل؛ لأنهم رأوا النتائج، رأوا وعيد الله تبارك وتعالى في هؤلاء.
إذا كان انتصار أهل التوحيد، إذا كان انتصار المؤمنين في معركة يُذل الله عز وجل بها أهل الباطل، فيأتي ربنا تبارك وتعالى ممتنًّا، يخاطب عباده بقوله: ﴿وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ﴾، بماذا؟ بما كَبَتَ به أعداءهم، وبما أيَّدهم به من النصر، وبما أصاب به عدوهم من الهزيمة، فكان عاقبة ذلك أن شفى صدورهم مما كان فيها من غيظ وغلٍّ على أعداء دين الله تبارك وتعالى، وهذا في معركة في هذه الدنيا، فكيف بالآخرة حيث يُكرم الله عز وجل أهل التقوى وأهل الإيمان، ويُنعم عليهم بالجنان العالية، ويُنجز وعيده في أهل الشرك والأوثان والعداوة والباطل والضلال والغي والفساد بما أعدَّه لهم من عذاب جهنم –والعياذ بالله–؟ ألا يشفي ذلك صدورهم ويذهب ما فيها من غيظ وغلٍّ؟ نعم.
فهذا الذي يتراءى لي، أعرضه على أهل العلم للنظر فيه، والله تعالى أعلم.
... لا لا لا يعكر عليه؛ لأن هذا الغلَّ هو هذا المقصود: أن في صدورهم غلًّا على أهل الشرك والباطل والفساد. إذ لا يتصوَّر أن يتحقق النصر والخير والرشد لعباد الله المؤمنين الأتقياء في هذه الحياة الدنيا كلُّه؛ فالدنيا مداولة بين الحق والباطل، تدافع بين الحق والباطل، والخير والشر، والصلاح والفساد، وهكذا إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها، أمَّا الآخرة فهي دار حق.
لكن القول الأول الذي أعطيتموه درجة من القبول يعطي مساحة أوسع، لأن الطبيعة البشرية لا تنفك عن هذا الجانب... لكن هذا لا يعني –كما تقدَّم– أن يُوصَف الأتقياء البررة بأنهم يحملون في صدورهم غلًّا، وأن هذا الغل يظل ملازمًا لهم إلى أن ينزعه الله تبارك وتعالى منهم في الآخرة؛ يعني في النفس منهم ما فيها.
إذ أهل الصلاح والتقوى يحملون أنفسهم على حبِّ أولياء الله عز وجل، وعلى موالاة الصالحين، وعلى حبِّ الخير لهم. نجد أدلة شرعية: «لا يؤمن أحدكم حتى يحبَّ لأخيه ما يحبُّ لنفسه»، ويُثني الله تبارك وتعالى على عباده المؤمنين في موالاتهم: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ﴾، ومُكمِّل هذه الولاية المحبة التي تنبعث من القلوب؛ فكيف يقال بعد ذلك بأن في صدورهم غلًّا؟
ولكن مع ذلك –إزاء ما قرَّره من هم أرسخ علمًا وأكثر اطِّلاعًا ومعرفة ودراية بكتاب الله عز وجل وباللغة العربية– أنا أعرِض هذا القول على أهل العلم للنظر فيه وإفادتي.
والله سبحانه وتعالى أن ينفعنا جميعًا، وأن يهدينا سواء السبيل.