⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الرواية صحيحة؛ فهي من طريق أبي هريرة عند الإمام مسلم، ووردت مفصلة أيضا عند ابن حبان، وصححها ابن حبان، وصححها طائفة –أي هذه الرواية التي عند ابن حبان–.
لكن رواية فيها: "ذات يوم" أو "ذات ليلة"، ورواية ابن حبان فيها: وقت الهاجرة، ورواية ابن حبان فيها أن الذي زاره رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بذبح الشاة هو أبو أيوب الأنصاري؛ فذهب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن لقي أبا بكر ولقي عمر، وكان قد أخرجهما الجوع أيضا، فذهب إلى بيت أبي أيوب الأنصاري فلم يكن في البيت، كان يستعذب الماء، فرحبت بهم امرأته، فسألها عن زوجها، قالت: إنه يستعذب الماء، فسمع الصوت، فأتى أبو أيوب، فجدّ لهم عِذْقًا فيه رُطَبٌ وتَمْرٌ وبُسْر، فرواية ابن حبان أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «هَلاَّ أَتَيْتَنَا مِنْ تَمْرَةٍ؟»، فقال: أردت أن تأكلوا من رُطْبِه وتَمْرِه وبُسْرِه، ثم أخذ المِدية فرآه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «اجْتَنِبِ الحَلُوبَ»، فذبح لهم.
فرواية ابن حبان أنه أمر امرأته أن تطبخ لهم نصفها، فأكل رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وصاحباه رضوان الله تعالى عليهما، ثم قال: ﴿ثُمَّ لَتُسْأَلُنَّ يَوْمَئِذٍ عَنِ النَّعِيمِ﴾، وفي رواية ابن حبان أنه كافأه بعد ذلك بيومين؛ فإن أبا أيوب كافأه بأربعين ألفا، أربعين ألف درهم، قال: ما كان رأس أكثر بركة لي من ذلك الرأس –أي رأس الشاة التي ذبحها.
على كل؛ الرواية تحتاج إلى تمحيص في دلالاتها؛ فإن هذا الحال الذي كان عليه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم لا يعني –كما يقول كثيرون– أنه عليه الصلاة والسلام كان في فقر وجوع ومسغبة، وإنما أصابه جوع كما يصيب سائر البشر، فخرج من بيته حتى لا يكلف أهل بيته.
والرواية من طريق أبي هريرة؛ هل كان ذلك مما سمعه أبو هريرة من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، أو كان مسند صحابي؟ لأن إسلام أبي هريرة متأخر؛ إذ غالب الظن أن ذلك كان في الأيام الأولى، في الزمن الأول من هجرته عليه الصلاة والسلام، لم تكن الأمور مرتبة بعد. ولكن مع ذلك ليس هو الأصل؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في عموم أحواله كان واجدا، لكنه كان يتعفف، كان يؤثر غيره من الفقراء والمساكين، ومن أصحابه، وممن يتألفهم، ومن الإنفاق في سبيل الله تبارك وتعالى فيما أوتي إياه من خير وفضل وغنى من عند ربه تبارك وتعالى.
ولذلك فلا يشكل أن يشعر بجوع، وألا يكلف أهل بيته، وأن يتفقد أحوالهم، يتفقد أحوال أصحابه فيرى أنهم قد خرجوا من الجوع، فيحصل له ما يحصل مع سائر الناس حينما يخرجون من بيوتهم؛ فلا ينبغي أن تُحمل الرواية –كما تقدَّم– أكثر مما تحتمل، فيقال بأن غالب أحوال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم الفقر والجوع والمعاناة.
هذا الأمر سبق التعرض له، والإرشاد إلى مصدر يكاد يكون –عندي– من أوسع المصادر أو المراجع التي تعرضت لهذه القضية؛ أنه عليه الصلاة والسلام كان ثريا منفقا، فهو تأوَّل هذه الرواية أيضا، وقال بأن ذلك كان أمرا طارئا عارضا، لم يكن أصلا في هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وفي حياته، وتأوَّل الروايات المشابهة أيضا التي فيها مثل هذه الأحوال، وقال بأن تأويله يدور حول أنها ظروف طارئة، لم تكن أصلا في هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم.
وفي ذات الوقت فإن هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في الورع، والترفع عن الإكثار من هذه النعم، لم يكن ناشئا عن قلة ما في اليد، وإنما كان لاختيار رآه رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم؛ ليكون قدوة للناس جميعا، ولكي يؤثر غيره عليه الصلاة والسلام، ولكي يعطي غيره، ولكي يكون أسوة لغيره أيضا من الموسرين.
فهكذا ينبغي أن نفهم هديه عليه الصلاة والسلام في هذه الرواية وما أشبهها.
والله تعالى أعلم.