⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فالجواب أنهما وقعا في محذور، فالقرض معاملة شرعية صحيحة مندوب إليها، فيها أجر عظيم عند الله تبارك وتعالى، وقد ورد في بعض الآثار، في بعض الروايات الصحيحة عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم أن القرض يفضل الصدقة بسبع عشرة درجة في بعض الروايات، لكنهم للأسف الشديد شابوها بمحذور، وهو أن عمدا إلى اتخاذ هذا العقار ليكون رهنا، نعم في ظاهر الأمر بيد الدائن، واتفقا بعد ذلك أن يدفع المالك المقترض المدين للدائن أجرة شهرية، وهذه معاملة ربوية محرمة، فلا وجه لمثل هذه المعاملة، لأن الرهن في حقيقته وثيقة في يد الدائن لضمان حقه على المدين.
هذه الوثيقة تكون من حيث أصلها الشرعي حينما تعدم وسائل التوثيق، ومع ذلك حتى حين وجود وسائل التوثيق لا مانع منها، لكن الأصل فيها أن تكون حين انعدام وسائل توثيق هذا الدين، لأن الرهن يقوم مقام التوثيق بحيث يتأتى بعد ذلك عند نهاية المدة أن يستوفي الدائن حقه من هذه الوثيقة، من هذا الرهن، بالعود على المالك أو باللجوء إلى القضاء، لكن ليس لمن في يده الرهن، المسترهن، أن يستغل الرهن، ولا أن يستفيد منه بوجه من الوجوه، فضلا من أن يكون هذا الرهن في هذه الصورة هو البيت الذي يسكنه الرجل، ولم يتغير فيه شيء، ولم تحصل صفقة بيع بينهما ولو في ظاهر الأمر، ثم يدفع بعد ذلك أجرة للمسترهن أو للدائن، فهذه معاملة محرمة.
ويجب عليهما معا التوبة إلى الله تبارك وتعالى مما وقعا فيه، والتوبة سبيلها: أن إن كان يريد أن يؤدي إليه حقه الآن، أي هذا المقترض يريد أن يؤدي الحق لصاحب المال، فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿فَإِنْ تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُءُوسُ أَمْوَالِكُمْ لَا تَظْلِمُونَ وَلَا تُظْلَمُونَ﴾ [البقرة: 279]، فتحسب قيمة الأجرة التي دفعها هو للدائن، ويؤدي إليه بعد ذلك الباقي، فيأخذ رأس ماله، ولا بالنسبة لمدين صاحب العقار لا يؤدي إليه زيادة فوق ذلك، هذا من جهة الديانة، هذا الذي يلزمهما فيما بينهما وبين ربهما تبارك وتعالى.
وبعض الناس يعمد إلى أن يقول إنه يريد أن يحسن القضاء، فيعد الذي دفعه إليه من باب الهدية أو العطية أو الإكرام على وقوفه معه، لكن في مثل هذه الصورة، نظرا لقوة الشبهة، ولأنه ما دخلا في هذه المعاملة المحرمة الفاسدة، فهذه الذريعة يجب أن تسد. حسن القضاء هو من حسن الخلق، فرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عليه الصلاة والسلام أثنى على حسن القضاء، وقال: «رحم الله امرأ سمحا إذا باع، سمحا إذا اشترى، سمحا إذا اقتضى»، وكان حينما يوفي يزيد عليه الصلاة والسلام، لأن ذلك من حسن القضاء، وهو من حسن الخلق كما تقدم، فلم يكن ذلك مشترطا بينهما، ولم يكن فيه وعد من المدين للدائن.
أما في هذه الصورة، فنظرا لدخولهما في هذه المعاملة المحرمة، فإن دعوى حسن القضاء لا تشفع لهما في تصحيح هذا العقد، إذ سيحتال الناس في مثل هذه الصور وما أشبهها، سيحتالون أيضا بدعوى حسن القضاء وبدعوى الهدية والإكرام لمحاولة إضفاء الشرعية على أكل أموال الناس بالباطل، فمن أجل ذلك نقول بأن باب حسن القضاء في مثل هذه الصورة يجب أن يسد سدا لذرائع الفساد ومنعا للاحتيال والتدليس ومحاولة إضفاء الشرعية في ظاهر الأمر على مثل هذه المعاملات المحرمة.
وإنما عليهما التوبة إلى الله تبارك وتعالى، وكلٌّ له رأس ماله، فإن شاء من بعد أن يكرمه بهدية أو غير ذلك فلا مانع بعد أن يتخارج من هذه المعاملة.
حتى لو أريد أيضا أن يقال: إنه على جهة المحاباة، فالمحبَّر أولا بالالتزام بأداء الحقوق كما هي، لأن جوهر هذه المعاملة كما تقدم: الربا، وأمر الربا عند الله تبارك وتعالى عظيم، ﴿فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾ [البقرة: 279]، ورسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: «لعن الله الربا وآكله ومؤكله وكاتبه وشاهديه»، ليستأصل شأفة الربا من المجتمع بكل صوره وأنواعه وذرائعه التي يمكن أن يتذرع بها.
هذا والله تعالى أعلم.