⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
قد تكون هذه المسألة مما أفرزته هذه الظروف فعلًا، وقبل أن أجيب عنها أذكر أيضًا أن هذه الجائحة أورثت قدرًا من الإرباك عند المصلين، لا سيما في المساجد ... لكن في المقابل أيضًا هناك فقه يستدعي التيسير، وهو من نحو هذه المسألة.
فنظرًا لأداء الناس صلوات القيام وصلاة التراويح، وأداء كثير منهم للفرائض بأهل بيوتهم في البيوت، وكثير منهم لا يحفظون من كتاب الله عز وجل، فإن التوسعة في النوافل سائغة بأن يقرؤوا من مصحف أو من شاشة، نعم، دون اشتغال يصرفهم عن الخشوع.
فإن تُفتح صفحات المصحف –على سبيل المثال– بحيث أن يقرأ الإمام منها في ركعتيه، فلا يحتاج إلى تقليب الصفحات أو أن يشتغل بحمل المصحف أيضًا، وإنما يكون موضوعًا في مكان لا يصرف انتباهه، لا يشتت انتباهه عن الخشوع، ولكنه يتمكن من القراءة منه، سواء كان ذلك من مصحف، أو ما يسمى بمصحف التهجد، أو كان ذلك من شاشة فيها القرآن الكريم.
وأصل المسألة فيه خلاف: فهل يمكن أن يقرأ الإمام من المصحف من كتاب؟ أصل المسألة فيها خلاف، وكثير من أهل العلم يجيز في النوافل، وبعضهم –رغم كراهته لذلك في الفرائض– إلا أنه لم يقل ببطلان الصلاة، إلا أن يأتي بكثير حركة، فليس سبب الفساد عندهم ناشئًا من القراءة، وإنما من الحركة الناشئة عن الاشتغال بالقراءة وحمل المصحف وتقليبه وغير ذلك.
لكن الاعتدال الآن نقول: في ظل هذه الظروف، ونظرًا لاجتماع المصلين في بيوتهم، لاجتماع الأسر في البيوت لأداء الصلوات، والكثير منهم لا يحفظ من كتاب الله عز وجل إلا السور المعدودات، مع رغبتهم ورغبة أهل البيت في أن ينصتوا إلى كتاب الله عز وجل وأن يعيشوا معه في هذا الشهر المبارك الفضيل، فإنه لا مانع في هذه الظروف –لا أريد أن تضطرد هذه الرخصة– وإنما في مثل هذه الظروف فقط، وأن يكون ذلك في النوافل دون الفرائض، وأن يتحرى ما لا حركة فيه من وضع المصحف أو الشاشة أو غير ذلك.
ومستند أهل العلم الذين رخصوا أصلًا إنما هو أيضًا ما أُثر من أن السيدة عائشة رضي الله تعالى عنها كان يؤمها غلامها ذكوان، وكان يقرأ من المصحف، فاستُنبط أنه ما كان لها أن تفعل ذلك –أي في النوافل، ما كان في رمضان– ما كان لها أن تفعل ذلك لو لم يكن جائزًا.
ولكن أيضًا ما يُفهم من هذا الجواب –من حصر هذه الرخصة في مثل هذه الظروف وفي النوافل– إنما سببه الحذر من أن يترك المسلمون حفظ كتاب الله عز وجل، وأن لا يولوا حفظ القرآن عن ظهر قلب العناية اللازمة، وأن يتواكلوا بالاعتماد على هذه الوسائل دون الحفظ والقراءة عن ظهر قلب.
وقد أخبرني أيضًا بعض أهل العلم من المشايخ الذين زاروا بعض بلدان المسلمين التي كانت معروفة بكثرة حفاظها، أنهم تحرَّوا، زاروا في رمضان، تحروا شيئًا من الجوامع، فما دخلوا جامعًا إلا ووجدوا الإمام يقرأ من المصحف، فينتقلون إلى جامع آخر فيجدون الإمام يقرأ من المصحف، فتعجبوا؛ لم يتعجبوا من أخذهم بهذه الرخصة، لكن هذه البلاد معروفة بكثرة حفاظها وقرائها ومقرئيها وكبار علماء القرآن الكريم والقراءات فيها، كيف يؤول الحال إلى أن يندر أن يوجد مسجد أو جامع يقرأ فيه الإمام مما يحفظ؟ فمن أجل ذلك لا نريد أن يتوسع الناس في هذه الرخصة؛ لأنها قد تفضي –كما تقدم– إلى إهمال العناية بحفظ القرآن الكريم.
والله تعالى أعلم.