⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما أصل المسألة، وهي مسألة أن يقرأ الإمام من المصحف، فإن أردتم أن نتعرَّض لها وإلا حسب ما ترون… طيِّب، باختصار شديد: الأمة مختلفةٌ في قراءة الإمام من المصحف عند إمامته بالمصلِّي؛ بين من يرى فساد الصلاة، وهم الأحناف، وهو الذي يُفهَم أيضًا من فعل أصحابنا الإباضية، وبين من يرى الكراهة وهم المالكية، وشدَّدوا أكثر في الفرض، وقالوا بالكراهة في النفل أيضًا، وبين من يسوغ ويرى الجواز وهم الشافعية وكثير من الحنابلة، وعليه الفتوى عندهم اليوم.
نحن إذا بحثنا في الأدلة فإننا لن نجد من كتاب الله عز وجل أو في سنة رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ما يشفع للقول بجواز القراءة من المصحف أثناء الصلاة، وإنما هناك بعض أفعال من الصحابة رضوان الله تعالى عليهم، ومنهم السيدة عائشة رضي الله عنها، فإن مولًى لها اسمه ذكوان كان يؤمُّها يقرأ من المصحف في التراويح، في القيام، فقالوا: لو لم يكن جائزًا لما فعلتْه السيدة عائشة. ورُوي من طريق الزهري قال: كان خيارُنا يفعلون، يقرؤون من المصحف؛ كان خيارُنا يقرؤون من المصحف. فإذا غاية ما يمكن أن يُستند إليه هو فعل بعض الصحابة.
ولكن كما تقدَّم، فإن الله تبارك وتعالى أمرنا أن نقرأ من القرآن، قال: ﴿فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآنِ﴾، وذلك ينصرف إلى القراءة مما تحفظه القلوب، وهكذا كان هدي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وهدي أصحابه رضوان الله تعالى عليهم، هدي الخلفاء الراشدين والأئمة في زمانهم وفي تاريخ الإسلام.
وأضيف دليلًا آخر، وهو أن القراءة من المصحف كالأخذ من المُلقِّن المعلم؛ لأنه تلقين، فلو كان هناك مُلقِّن يلقِّن الإمام لفسدت الصلاة، فهذا أيضًا من أدلة المانعين، ويُضاف إلى ما تقدَّم أيضًا مما يمكن أن يُستند إليه في المنع؛ لأنِّي قلت أدلة المجيزين –وهو فعل بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم– وانتقلتُ إلى بيان أدلة المانع؛ فمن أدلتهم أيضًا المآلات، النظر في المآلات؛ فلو رُخِّص للناس، للائمة أن يقرؤوا من المصاحف لهجروا حفظ كتاب الله عز وجل، وقد حصل هذا –للأسف الشديد– في بعض المجتمعات المسلمة التي كانت معروفة مشهورة بكثرة الحفَّاظ، فإذا بهم يتراخَون عن الحفظ، وينتقلون إلى القراءة من المصحف في إمامتهم للناس في التراويح، وفي القيام، وفي التهجُّد؛ فهذا المآل ينبغي أن يُسدَّ، وأن تُسدَّ هذه الذريعة حتى لا يهجر الناس.
قد يعترض معترضٌ بأنه لن يفعل ذلك كل الناس، الآن إذا كان الأئمة سيفعلون ذلك، فكيف بسائر الناس؟ ثم أيضًا يُضاف إلى ذلك –خاصةً في كثيرٍ من مجتمعات المسلمين– أنه فعلٌ يستنكره المأمومون أنفسهم؛ المصلُّون يستنكرون أن يكون إمامُهم يقرأ من المصحف؛ قد يوجد في بعض المجتمعات أنهم لا يكترثون إلا للقراءة وانتظامها وعدم السهو فيها، ولكن في العام الأغلب فإنهم يستنكرون لما في ذلك من حركةٍ، والتفاتٍ، واشتغال؛ ولذلك فإن المجيزين أيضًا يشترطون أقلَّ ما يمكن من الاشتغال والحركة بحيث لا ينصرف عن خشوعه وتدبُّره لأمر الصلاة.
… أذكر: كانت هناك رخصة مراعاةً لأحوال الجائحة؛ الناس كانوا يُصلُّون في بيوتهم، وأرباب هذه البيوت –أرباب الأسر– لا يحفظون القرآن الكريم، ويرغبون في سماع القرآن، أهل البيت يرغبون في أن يُنوَّع عليهم في القراءة، فكانت هناك رخصة توسُّعًا وأخذًا بأقوال أهل العلم المجيزين، واستنادًا إلى هذه الآثار المروية –كما تقدَّم– عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. أما وقد منَّ الله عز وجل علينا بارتفاع الجائحة –لا أعادها الله– فلا ينبغي أن يُؤخذ بأمثال هذه الرخص.
فهذه خلاصة المسألة…
والله تعالى أعلم.