⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب عن هذا السؤال ينطلق من تقرير مبدأ أن لا تعارض بين العلوم الدينية والعلوم الطبيعية بمختلف أنواعها وبكل فنونها. فإذا صححنا تصورنا للعلاقة بين العلوم الدينية وبين سائر العلوم والمعارف الطبيعية والتطبيقية والإنسانية، أي سائر العلوم الدنيوية –تجوُّزا– فإن ذلك سيفضي بنا إلى أن نفهم التكامل بين علوم تبحث في الآلة، في من أبسط صورها إلى أعظم صورها، إلى هذا الكون بما فيه من مجرات، وبين صانع هذه الآلة، بين القوانين التي تحكم وجود الإنسان وتضبط حركة هذه الحياة وحركة هذا الكون بكل ما فيه، وبين واضع هذه القوانين.
لننتقل من المستوى الحيواني المجرَّد الذي يقصر النظر على الحركة دون المحرِّك، وعلى القانون دون المبدأ والغاية، وعلى الواقع دون التاريخ والمستقبل القادم؛ فإن هذا المستوى ليس هو بالمستوى الإنساني. أي إن نظر الإنسان لا بد أن يكون أبعد، لا بد أن يتناول الصانع مع الصنعة، والتاريخ مع المستقبل، والغاية مع الأخلاق.
العلوم نفسها –على سبيل المثال، علم الطب– لا يتأتى لها أن تستنبط أخلاقها. خذ أي علم من العلوم: علم الطب، لماذا يصر العلماء –مجمعين– على أنه لا بد من أخلاق للطب؟ وإذا بحثت في سائر أدبيات هذا المجال ستجد أن منشأ هذه الأخلاقيات ليس من العلم نفسه، وإنما هي من مصدر خارجي، فإذا تتبعت هذه الأخلاقيات ومبادئها ستجد أن مصدرها إنما هو مصدر ديني، اعترف بذلك من اعترف وأنكر من أنكر.
فلذلك –وإن كنت لا أحب أن أقول بأن هذه منَّة من الدين على العلوم الدنيوية– لكن الواقع: إنه لا غِنى لهذه العلوم الدنيوية عن العلوم الدينية، وإلا عُطِّل البحث في العلوم الدنيوية؛ لأن أساس البحث والنظر في العلوم الدنيوية إنما ينبثق من إدراك هذا الإنسان أن هناك قانونا، وأن هناك عقلا ذكيا وراء هذه الصنعة، وأن هناك غاية تتجه إليها هذه الصنعة، وأن هناك وسائل للتعامل مع هذه الصنعة.
ولذلك فإن هذا المنهج أخذوه في أبسط آلة نستعملها؛ لا بد أن نتعرف على إرشادات الاستعمال، إما أن نقرأها أو بأي وسيلة كانت، حتى نضمن استعمال تلك الوسيلة أو تلك الآلة بأحسن ما يمكن، وبأدوم ما يستطاع. فكيف بهذا الكون في منظومة هذه الحياة؟
إذن الأثر عظيم لا يمكن تهميشه، والعلاقة مستحكمة متكاملة لا يمكن الغضُّ منها؛ ما لم يحصل انحراف في الدين، أو تحريف أو تزوير، أو تعرُّض لقضايا ليست هي من شأن الدين –هي من شأن العلم–، أو أن هذا العلم ينحرف أيضا في مناهجه أو في غاياته أو في وسائله، فحينئذ يمكن أن يحصل الاضطراب والتناقض، وهو ليس اضطرابا ناشئا عن الذات، هو اضطراب ناشئ عن خطأ في شيء من هذه الأسس المذكورة.
والله تعالى أعلم.