⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
لا، في ظني أن منشأ هذا القلق هو اللوثة التي أصابت العلوم في هذا العالم المتمدن، بحيث إن هذه العلوم فُصلت عن الدين، واختلت البوصلة لديهم، نعم، وصوَّروا العلاقة بين الدين والعلم علاقة تضاد، وهذا ينطلق مما تشاركنا الحديث فيه مما يتصل بالرؤية الكونية المستمدة من القرآن الكريم، نعم؛ فالأصل أنها علاقة تكامل وانسجام.
لكن الكثير من الأطروحات المعاصرة والنظريات الحديثة – بقصد أو بسوء قصد، وهي إلى سوء القصد أقرب – ضلَّت الطريق، وصوَّرت الدين شبحا جاثما على الصدور، نعم، يعطِّل البحث والدراسة والنظر والاكتشاف، ويمنع حركة الإنسان، وهذا لا شك أنه غير صحيح؛ فهو ادعاء باطل تاريخيا، وهو ادعاء باطل في واقعنا المعاصر، هو أيضا تزييف للحقائق.
نعم، فإن أكثر العلماء هم من المؤمنين، في مختلف أنواع العلوم، هناك بعض الدراسات والإحصائيات المعاصرة التي نشرتها أيضا بعض المواقع تزعم أن عدد المتدينين في شريحة نخبة العلماء من مختلف التخصصات – في الرياضيات والفيزياء والفلك والطب وغيرهم – أن نسبة المؤمنين لا تتجاوز 7%، لكن تبين أن هذه الإحصائيات مُضلِّلة، نعم، وأن أغلب العلماء هم من المؤمنين في الواقع المعاصر، لا نتحدث عن علماء في زمن في القرن التاسع عشر والقرن العشرين، وإنما نتحدث عن واقعنا المعاصر.
وحتى أولئك غير المؤمنين الذين صنَّفوا أنفسهم أنهم غير مؤمنين أقروا – وبلغت النسبة 90% – أنهم يبحثون عن إشباع روحي، نعم، إذًا هم يؤكدون احتياج هذا الإنسان إلى الدين، رغم أنهم في ذروة نخبة العلماء، فيبدو أن ما وصلهم من أمر الدين هو الذي لم يقنعهم بذلك الدين، وهذا متوقع، نعم، لما أصاب تلك الأديان من التضليل والتغيير والتبديل والتحريف، مما يتعارض مع ما وصلوا إليه من حقائق هذا الكون وحقائق هذه الحياة.
وهذا الشأن لا يسري على الإسلام والعلماء المسلمين، نعم؛ لأن مثل هذا التناقض وهذه الفجوات غير موجودة أصلا، فلا تضاد هناك أبدا بين ما يقرره العلم وبين ما يدعو إليه الدين والإيمان، نعم، في المساحة المشتركة – وهي مساحة ضئيلة – في مباحث موضوع العلم والدين، نعم؛ لأن الأصل أن مباحثهما مختلفان، نعم.
فإذا كان الدين يدعو إلى العلم، ويدعو إلى التعلُّم، ويدعو إلى البحث والنظر، ويرسي المناهج، ويوجِّه الاستعمال، فإن هذا لا يعني أن الدين يبحث في موضوعات العلم؛ ولذلك فهذا أيضا يُسفِّه رأي من يقول بأن هناك تضادًّا؛ هم – في الوقت الذي يعترفون فيه أن مباحث الدين مختلفة عن مباحث العلوم – يزعمون تضادا، مع أن نقاط الالتقاء ضئيلة، نعم، حتى فيما وصلهم.
الحاصل: أن هذا التضاد الذي وجده كثير من علماء الغرب والشرق من غير المسلمين إنما منشؤه ما وجدوه من تحريف وتبديل في تلك المِلَل والأديان التي يعرفونها، نعم، وقد صرَّح كثير منهم بذلك، وهذا الشأن نفسه يسري على عدد من الفلاسفة الغربيين أيضا من المتقدمين ومن المعاصرين.
صحيح، لكن هل أدَّى المسلمون أدوارهم، سواء كانوا من علماء الدين أو من علماء الطبيعة؟ الحقيقة أن هذه القضية بحاجة إلى مصارحة ومكاشفة؛ فإن الخلل أصاب، نعم، العلوم الدينية.
لنعترف: أصابها بالضعف؛ لأن الضعف هو السمة الغالبة اليوم على هذه الأمة، ومن ضمن هذا الضعف – رغم أنها أحسن حالا من سائر العلوم والمعارف، ومن واقع المسلمين – إلا أنها جزء من هذا النظام الكلِّي، فأصابها الضعف، وتجد كثيرا من حملة العلوم الدينية يقتصرون على القشور، ولا يتمكنون من توظيف العلوم والتراث الديني الذي لديهم في مواجهة شبهات العالم المعاصر، نعم، ورد هذه الشبهات، وكشف الحقائق، وتقديم حلول للناس.
لا يعني هذا أنهم يتحملون أخطاء غيرهم، ولا يقلِّل هذا من جهد كثير من العلماء المخلصين من علماء الدين المخلصين، لكننا نتحدث عن عموم حركة العلوم الدينية.
جميل، فما لم تكن هناك نهضة في البنية نفسها، في البنية الذهنية، وفي المناهج التعليمية، وفي الخطط والاستراتيجيات المرسومة للانتفاع بالتراث الديني – تراث العلوم الدينية – والاستفادة مما وصلت إليه سائر العلوم والمعارف المعاصرة، وتوجيه ذلك كله لنفع هذا الإنسان في الحق والخير، وفي ما فيه صلاح وهدى ورشد للإنسان فردا ومجتمعا ووطنا وأمة، فإنه لا مناص من الاعتراف بأن الضعف حاصل، نعم.
وهذا يسري على جملة من العلوم التي أُهمِلت اليوم؛ يعني لنتصور أن بعض العلوم – لنستشهد بأن بعض العلوم التي كانت تُعد من الوسائل الموصلة إلى العلوم الدينية – أصبحت اليوم من أصبح تعلُّمها من العزيز النادر؛ خذ على سبيل المثال علم المنطق، نعم، وعلوم الفلسفة أو علم الفلسفة، واقتصر الحال – فيما يتعلق بعلوم اللغة – على علم النحو فقط، نعم، إن أضيف إليه علم الصرف وشيء من علوم البلاغة، وإلا فسائر فنون اللغة أيضا أُهمِلت، نعم.
قس على ذلك ما يتعلق بسائر العلوم الدينية وفنون علوم الشريعة؛ فإن عددا كبيرا منها طُويت أركانه بعيدا عن حقيقة التعلُّم الديني الذي كان يؤهِّل ليكون المتعلم عالما مجتهدا قادرا على إيجاد حلول للناس، نعم، لمشكلات الناس، وللشبهات التي تواجههم.
ولذلك تجد أن طائفة من هذه العلوم جُمِّدت مكانها، لم تُجدَّد، لم تُحدَّث حتى في أسلوب لغتها، فضلا عن موضوعاتها وكيفية تقديمها وما يمكن أن يُضاف إليها.
لكن هذا لا يعني – كما تقدَّم – أن غيرها من العلوم عند المسلمين هي أحسن حالا، نعم، بل لا زالت العلوم الدينية أفضل حالا بمراحل حتى من العلوم الطبيعية، حتى من العلوم الطبيعية؛ يعني يُستشهد لذلك بكثير من الأمثلة، لكن يكفي أن نذكر بعض الأدلة الواقعية: لا تزال طائفة من علماء المسلمين يجتهدون في مسائل معاصرة ويقدِّمون لها الحلول، سواء كانت مسائل طبية – على سبيل المثال – أو كانت مسائل اقتصادية، أو كانت شبهات تتعلق بهوية المجتمع، نعم، وبحفظ وحدته وبحفظ كيان هذه الأمة؛ لا يزال رصيدها الخُلقي محافظا عليه، مُدافَعا عنه، نعم، مدعوا إلى التزامه، ومنشأ ذلك إنما هو الدين.
لا تزال الجهود مستمرة في تحرير كثير من القضايا المستجدَّة التي تهم الإنسان – حتى المسلم – حتى فيما يتعلق ببعض القضايا الاجتماعية أو الظواهر الاجتماعية، هذا ما لا نجده في جملة من القضايا في العلوم الأخرى، نعم.
حتى نكون معترفين بذلك: إن وُجد فهي شخصيات قليلة معدودة على الأصابع، والغالب فإن إنتاجها وإبداعها إنما كان لأنهم هاجروا خارج بلاد المسلمين...