⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن للمفسرين أقوالًا في توجيه هذه الآية من كتاب الله عز وجل في سورة محمد بناءً على هذه القراءة: يَقتُلون، لأن هناك قراءة وهي من القراءات السبع: يُقاتِلون. على هذه القراءة الثانية لا إشكال، لكن على قراءة: يَقتُلون في سبيل الله، فإن المقصود فيه خلاف عند أهل التفسير.
فمنهم من يرى بأن قوله سبحانه وتعالى، بأن ذكر الهداية هنا يقصد به الإرشاد إلى الجنة الموعودين التي وُعدوا بها، و«يصلح بالهم» أي: يصلح شأنهم وحالهم، فهو جزء من النعيم الموعود به لهؤلاء الذين يقاتلون في سبيل الله تبارك وتعالى ثم يقتلون. فتحمل هذه الهداية: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ على معنى الإرشاد لما وُعدوا به من منازلهم في الجنة.
وهذا المعنى موجود في كتاب الله عز وجل، أن يلتفت إلى المعنى اللغوي للهداية، كما في شأن أهل الجحيم – والعياذ بالله – قال: ﴿فَهُدُوا إِلَى سَوَاءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: 23]، فـ«هُدوا» يُقصد بها الإرشاد، يُقصد بها أن يُؤخَذ إلى وجهتهم وغايتهم. وهذا المعنى لا إشكال فيه، فإنه يزول، يرفع هذا الإشكال المتوهَّم من أن هؤلاء الذين قُتلوا في سبيل الله كيف تكون لهم هداية بعد أن استُشهدوا في سبيل الله، فهذا المعنى غير وارد هنا، يزول معه الإشكال.
أما عند من يرى بأن هذه الهداية هي الهداية الحقيقية، فإنه يحمل معنى: يَقتُلون في سبيل الله على معنى القدر؛ أي: الذين قدَّر الله تعالى أن يُقتلوا في سبيل الله، فإن الله عز وجل في دنياهم هذه سيهديهم ويصلح بالهم حتى يُلاقوا قدرهم الذي قدَّره لهم ربهم تبارك وتعالى، ولا حاجة إلى الترجيح بين المعنيين، فكلاهما معنى صحيح، ويراد به التشويق إلى ما ادَّخره الله تبارك وتعالى لمن يجاهد في سبيله حق الجهاد ولمن يُعلي راية الدين، سواء كان ذلك بما يتعلق بالوعد لهم في هذه الحياة الدنيا أو بالوعد لهم في الحياة الآخرة، فبهذا يزول الإشكال.
أما العمل المقصود به هنا، هو القتل نفسه في سبيل الله؟ ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ يقصد به كل أعمالهم التي تقدمت منهم. فهذا الجزء يقصد منه أن الله تبارك وتعالى – كما في الحديث – ينمّي أعمالهم، فكل ما كان منهم من أعمال يضاعَف أجره، ويبارك الله تبارك وتعالى فيه. لكن الإشكال في الآية بعدها: ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾، ويتأكد ما تقدّم من معنى بقوله تعالى: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ [محمد: 6].
فعندما يُرى بأن ﴿سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ يتعلق بأمرهم في الدنيا قد يُرَدّ عليه الإشكال: أن بين ما ذكره الله تبارك وتعالى: ﴿فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ﴾ وبين: ﴿وَيُدْخِلُهُمُ الْجَنَّةَ عَرَّفَهَا لَهُمْ﴾ سيكون هناك فاصل لا يتناسب مع السياق، قد يُرَدّ عليه، لكنه أيضًا يمكن أن يُجاب عنه.
… فبهذا يزول الإشكال والله تعالى أعلم.