⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
إذا نظرنا في كتاب الله عز وجل سنجد ما يرفع هذا اللبس؛ فالله تبارك وتعالى يقول: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾ [القصص: 56]… فالهداية هذه هداية بيان، وهناك هداية التوفيق؛ أي أن يوفّق الله عز وجل العبد إلى ما فيه مرضاته.
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾ [العنكبوت: 69]؛ إذًا، من هذه الآيات الكريمة نجد أن الإشكال يزول بإدراك أن مصدر الهداية، مصدر كل هداية، إنما هو الله تبارك وتعالى إيجادًا لها، وبيانًا للخلق إليها، ثم من فضله جل وعلا على عباده فإن التوفيق إليها لا يكون إلا منه سبحانه، كما هو الشأن في التوفيق في كل أمر من الأمور.
فالعمل الصالح إنما هو من فضل الله تبارك وتعالى، العمر الذي أُعطيه هذا الإنسان ليملأه بالصالحات إنما هو من عند الله تبارك وتعالى، الصحة إنما هي من نعم الله عز وجل على عباده، تلقّي الوحي، والهداية إلى الدين إنما هو من نعم الله عز وجل، من أعظم نعم الله تبارك وتعالى على هذا الإنسان؛ فكل ذلك إنما هو من عنده سبحانه.
بقي أن هذه النفوس لابد أن تتهيّأ لتلقّي هذه الهداية، لكي تأخذ بما يؤدي بها إلى هداية التوفيق إلى الصراط المستقيم، إلى مرضاة رب العالمين؛ هذا لا بد له من أن يبذل فيه العبد ما يَتَطَلَّبُ به هذه الهداية، ولذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾؛ أي لنزيدنّهم هدى، لماذا؟ لأنهم يجاهدون فينا.
لما وصف الله تبارك وتعالى فِتْيَةَ أصحاب الكهف قال: ﴿نَحْنُ نَقُصُّ عَلَيْكَ نَبَأَهُمْ بِالْحَقِّ إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾ [الكهف: 13-14]؛ إذًا ذكر الوصف الذي استأهلوا به هذا الإنعام من الله تبارك وتعالى بالهداية والربط على القلوب، فقال: ﴿إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ﴾ هذا هو السبب، ثم قال: ﴿وَزِدْنَاهُمْ هُدًى وَرَبَطْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ﴾.
ووصف أيضًا ربنا تبارك وتعالى في كتابه الكريم المؤمنين، قال في سورة محمد: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾ [محمد: 17]؛ إذًا هؤلاء اهتدوا، تسبّبوا في تَطَلُّب الهداية، هم يطلبون الهداية، يبحثون عنها، يضرعون إلى الله تبارك وتعالى بالهداية، يتلمّسون وجوه الهداية، يرغبون فيها، لم يُغلِف قلوبَهم، لم يُعرِضوا عن أنوار هذه الهدايات، نعم، لم ينصرفوا عن الله تبارك وتعالى، وإنما فتحوا قلوبهم، تلمّسوا وجوه الهداية، تَطَلَّبوا أن يصلوا إلى هذه الهداية، ولذلك قال: ﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ﴾.
فبهذا يتبيّن المعنى ويزول الإشكال.
والله تعالى أعلم.
… محل سؤاله الآن هو الجزء الذي أشرتم إليه: ﴿بَلِ اللَّهُ يَمُنُّ عَلَيْكُمْ أَنْ هَدَاكُمْ لِلإِيمَانِ﴾ [الحجرات: 17]، نعم، فهنا يمتنّ الله عز وجل على عباده أنه هو الذي هداهم للإيمان، في مقابل أن الله تبارك وتعالى يقول: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا﴾؛ إذًا هناك مجاهدة هي التي تسبّبت في الهدى، فهذا الإشكال الظاهر هو الذي دفعه إلى السؤال.