⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
هنا قضيتان في هذا السؤال:
القضية الأولى: تتعلَّق بأصل فكرة تأخر إجابة الدعاء، وقد كفانا شرعنا الحنيف مؤنة البحث عن جواب عن هذه المسألة؛ فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بيَّن أن المرء في توجهه بالدعاء إلى ربه تبارك وتعالى لن يَعدَم إحدى ثلاث خصال؛ فإمَّا أن يُستجاب له، أو أن يُدَّخر له أجر دعوته في الآخرة، أو أن يُدفع عنه من السوء بقدر ما دعا.
ويتصل بهذا بيان أن ليس من شأن المسلم أن يركن إلى الدعاء تاركًا الأخذ بالأسباب؛ فطالب الرزق –على سبيل المثال– لا ينفعه أن يقعد في زاوية داعيًا ربه جل وعلا دون أن يأخذ بأسباب طلب الرزق؛ فليس هذا من شأن ديننا، ليس هو دين رهبانية بل هو دين ربانية يقوم على توثيق الصلة بالله تبارك وتعالى، والتفقه في أمر الدين، والتوكل عليه سبحانه وتعالى، والأخذ بالأسباب كلها من العلم اللازم، ومن القوة التي يحتاج إليها، ومن التهيئة النفسية، ثم الضرب في الأرض والسعي فيها.
فلئن قصَّر المسلمون في الأخذ بالأسباب، فكيف يسوغ لهم بعد ذلك أن يلقوا باللائمة على دعائهم لربهم تبارك وتعالى وعدم الاستجابة لهم؟! إذا عليهم أن يبحثوا في أنفسهم عن سبب تأخر الإجابة –إن وجدوا أن إجابة الدعاء قد حُبِسَت عنهم–، وعليهم دائمًا ألا يزكُّوا أنفسهم عند الله تبارك وتعالى، بل أن يسعوا إلى تزكيتها بالخصال الحسنة، ودَسِّ خصال السوء، وبالإكثار من التقرُّب إليه سبحانه وتعالى بما يحب من صنوف الطاعات مع حُسن الاستعداد؛ فربنا تبارك وتعالى يقول: ﴿وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ﴾.
ونحن لا نجد في مناسبة واحدة من أدعية رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم –حتى وهو في أشدِّ الساعات حُلْكَة– أنه كان يَلجأ إلى الدعاء دون أن يأخذ بالعمل والأسباب؛ فهو حينما يُجهِّز الجيش ويتفقد أحواله، ويستشير أصحابه حتى في الموقع وفي كيفية المواجهة أو الدفاع، بعد أن يُعِدَّ العدَّة لكل ما يمكن أن تأتي به المواجهة، فإنه حينئذٍ كان يَلجأ إلى ربه تبارك وتعالى ضارعًا متبتِّلًا. لا نجد أنه كان يقتصر على الدعاء دون أن يقرنه بالعمل الدؤوب الجاد وحسن الاستعداد، وأن يُظهر لله عز وجل أنه أهلٌ لما كُلِّف به؛ وهكذا كان شأن صحابته الكرام رضوان الله تعالى عليهم، وهكذا كان شأن السلف الصالح رضوان الله تعالى عليهم.
أمَّا القضية الأخرى فإنها تتعلَّق بواقع المسلمين، وليس الحال كما يظن هذا الظن؛ فإن واقع المسلمين اليوم –بحمد الله تعالى– يبشِّر بخير كثير؛ من حيث عودة هذه الأمة إلى ربها تبارك وتعالى، ومن حيث تمسُّكها بثوابتها، ومن حيث يقينها بما صنع الله عز وجل، وإن كانت قد أوتيت من القوة والغلبة ما أوتيت، لكنها بانحرافها عن الحق وظلمها للناس واستبدادها وطغيانها في الأرض آل حالها إلى الزوال والتلاشي.
فهذه النظرة القاصرة إلى واقع المسلمين اليوم نظرة غير صحيحة، هي نظرة قاصرة عاجزة لا تنظر إلا إلى بعض العيوب دون أن تأخذ الصورة الكاملة؛ فبحمد الله تبارك وتعالى نجد أن واقع المسلمين اليوم –عند رجالهم ونسائهم، عند شبابهم وكبارهم– واقع يبشِّر بخير؛ فيه إقبال على الله تبارك وتعالى، فيه رغبة في التعلم، فيه وعي عام يُدرك أهمية وحدة هذه الأمة وتلاقيها على الخير، ونجد من مظاهر ذلك الشيء الكثير، لكن كثيرًا من الناس لا يمدُّ بصيرته إلى مثل هذه المظاهر ولا يستشفُّ ما وراءها من آثار.
ولذلك فإن هذه النظرة يمكن أن تورث المسلمين شيئًا من اليأس أو القنوط، ولا ينبغي ذلك بحال من الأحوال؛ فكما تقدَّم فإن الكثير من المظاهر في هذه الأمة إذا ما قورنت بما قبل عقود من الآن سنجد البشارات الدالة على الإقبال على الخير، وحسن الصلة بالله تبارك وتعالى، والرغبة في التمسك بكتاب الله العزيز وبالسير على سير المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم، مع التنبه لما يكيد به الأعداء واليقظة للمؤامرات التي تُحاك ضدهم.
ونجد أن هذه المظاهر سارية في عموم المسلمين، ويؤكد هذا تمثُّل الآخرين لما لدى المسلمين من قوة كامنة؛ إذ لو كان شأن المسلمين ضعيفًا لما كان الآخر في حاجة إلى أن يعبأ بهم؛ فالقوي لا يعبأ بالضعيف الذي لا شأن له. ولكن حينما نجد أن هناك الكثير من المخططات والمكائد التي لا زالت تُحاك بهذه الأمة وبأبنائها فهذا يدل على أن هذه الأمة في مركز القوة، وأن الغير يجد ذلك فيها، ولا أقل من أنه يعلم أن لديها قوة كامنة يمكن أن تنبعث في أي وقت، والتاريخ يشهد بذلك، وكثير من الأحداث التي تحصل حولنا الآن تؤكد ذلك.
… إلى آخر ما ذكره من الأمثلة على واقع الأمة اليوم.