⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أولًا ظني أن العالم أدرك أن الصحة أغلى من المال، نعم، مهما كان حجم الخسائر الذي أصاب اقتصاد الدول والمجتمعات والأفراد، فلا تزال الصحة أثمن من ذلك كله، وهذه حقيقة إن كان العالم لم يدركها بعد، فلا يوجد ما هو أقوى أثرًا في تفهيم هذه الحقيقة من مثل هذه الأزمة.
ففوات الأرواح –لا سيما في نظر هذا الدين الحنيف– هو فوات للحياة كلها، كما أن إحياء الأنفس، إحياء لنفس واحدة، هو إحياء للحياة للأنفس كلها، ﴿مِنْ أَجْلِ ذَٰلِكَ كَتَبْنَا عَلَىٰ بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا ۖ وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا﴾ [المائدة: 32]، فالحياة هي أثمن ما في هذا الوجود، والصحة بهذا أغلى من المال.
وينبغي أن يكون من أوائل هذه الدروس المستقاة، المستفادة من هذه المحنة: أن توجه الأموال والاقتصاديات إلى حفظ ما فيه صحة هذا الإنسان؛ ما يحفظ له حياته، ويحفظ له صحته وقوته، وأن يكون هناك توجه في التعليم والمناهج، وفي الإعلام، لإرساء هذه الحقيقة؛ لأن الإنسان هو صانع هذه الحضارة، هو الفاعل في هذا الكون، فهو الذي سيجلب الثروات، هو الذي سيعالج الاقتصاد، هو الذي سيبحث عن الأدوية والعلاجات واللقاحات، فلا بد أن توجه هذه الأموال والثروات لصالح هذا الإنسان، على أن يكون هذا التوجيه توجيهًا رشيدًا لا يفسد في هذه الأرض، لا ينشر فيها الضرر والأذى، ولا يعطل لها مواردها إرضاءً لجشع هذا الإنسان ونهمه، بوضع يده على الموارد والإفساد فيها وإساءة استعمالها.
فلا بد أن توجه الجهود والخطط والدراسات المتسمة بما يعرف أنها دراسات استراتيجية لهذا المقصد؛ وإلا فإن العالم عُرضة لمثل هذه الأوبئة والجوائح التي قد تأتي على بنيته التحتية، على اقتصاده، وعلى معايش الناس بالهدم والضرر البالغ، ما لم يكن هناك –كما تقدّم– تعليم وثقافة وإعلام وتعاون بين المجتمعات والدول من أجل إعلاء شأن الصحة بكل ما تحمله هذه الكلمة.
اليوم أثبت هذا الوباء أن أبسط تعاليم هذا الدين الحنيف المتعلّقة بالطهارة، وآداب النوم، وغسل الأيدي، والطعام، واللقاء، وغيرها، هي من أعظم ما يحتاج إليه الناس اتقاء هذه الأوبئة؛ فما بالك بعد ذلك بما يتعلق بالجانب الإيماني الروحي الذي يبعث السكون والطمأنينة في النفوس، أو في الجانب العقلي الفكري الذي يدفع هذه الجهود نحو ترتيب الأولويات وتوجيه الجهود إليها.
… ومنهج الإسلام هو منهج اعتدال وتوسط بين التهويل والتهوين، منهج يقوم على إدراك الواقع كما هو، بحيث يستقي المسلم معلوماته من المصادر الصحيحة، فيتعرّف على هذا الوباء وعلى تأثيره وكيفية انتشاره، ثم بعد ذلك ينظر فيما يحمله دينه له في التعامل مع هذا الوباء.
فرسول الله صلى الله عليه وسلم جمع هذا في حديث واحد؛ في نفس الحديث يقول: «لا هامةَ ولا عَدوى ولا صَفَر»، فينفي معتقد أهل الجاهلية في أن تكون العدوى في ذاتها مسبِّبة للأثر، ويؤكد عقيدة الإسلام: أنه ما من شيء في هذا الكون إلا بتدبير وتقدير من الله تبارك وتعالى وبإذنه، فهو المسبِّب، وهذه وسائل وأسباب.
في نفس هذا الحديث يقول: «فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ»، ويقول في أحاديث أخرى: «لا يُورِدَنَّ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»، وهذا يعني أن الخطاب موجَّه إلى الطرفين: إلى من كان مصابًا بالمرض بحيث لا يُعدي غيره، لا يتسبب في أن يصيب غيره بذلك المرض، وإلى الصحيح المعافى: «فِرَّ مِنَ المَجْذُومِ فِرَارَكَ مِنَ الأَسَدِ»، هذا هو سلاحه في مثل هذه الظروف والأوبئة، هذه هي عُدته، يأخذها من دينه.
فبعض الناس قد يرى أن الإيمان بالله تبارك وتعالى وحسن التوكل عليه يعني أن لا يلتفت إلى شيء من هذه الاحترازات ووسائل الوقاية، وهذا فهم خاطئ للدين، هذا فهم خطأ لتعاليم هذا الدين، فإن هذا الحديث صريح في أن على الصحيح المعافى حينما يرى مظنّة انتقال العدوى إليه أن يجتنب هذه العدوى وأن يتقيها كما أنه يفر من الأسد، وذلك المصاب –أو الذي يُظن به، لظهور بعض الأعراض، أنه يمكن أن يُعدي غيره– فعليه أن يلتزم، وأن يمنع إصابة غيره بالداء الذي هو فيه.
فهذا الجمع بين الجانب العقدي وبين الإجراءات الوقائية في حديث نبوي واحد عن نبينا صلى الله عليه وآله وسلم، فكيف ونحن لدينا هذا الرصيد لا نستبشر أيضًا ولا تطمئن نفوسنا بأنه سيعقب هذه الشدة فرجٌ من عند الله تبارك وتعالى، شريطة التزامنا نحن بهذه الإجراءات، وحرصِنا على أن لا نُصيب أنفسنا، وأن لا نتسبب في إصابة غيرنا، وأن ننظر إلى هذا الوباء بعلم وفقه يبعدنا عن التهويل أو التهوين.