⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
مرَّة أخرى نقول –وهذا ما كنتُ قد أشرتُ إليه– بأن أهل الفتوى من العلماء العدول الثقات لا يصح أن يحملهم إلحاح الناس عليهم بالسؤال إلى التضييق عليهم، وإنما الحكم الشرعي لا يتغيَّر بكثرة إلحاح الناس، وإنما قد لا تكون حاجة إلى كشفه، فيُلحُّ السائل على نفسه ليدخل موضوعه في ما هو ضيِّق من أحكام دين الله تبارك وتعالى.
فتجد سائلًا –على سبيل المثال، ويحصل هذا كثيرًا، لا سيما عندما يُبتلى بقدرٍ من الوسواس– يسأل عن مسألة في عبادته: من طهارة، أو من صلاة، أو صيام، أو غير ذلك، فيُبيَّن له الحكم الشرعي، وأنه في الواسع من دين الله عز وجل، فيأتي ويستدرك، ويقول: ولكني فعلتُ كذا وكذا، فيأتي المفتي ويقول: لا زلتَ في سَعَة ما دمتَ لم تفعل كذا، فيقول: لا، أظن أني فعلتُ كذا؛ فحينئذ سيأتي من ابتُلِي بالوسواس فيقول له: إذا كنتَ قد فعلتَ كذا فالحكم هو كذا.
هو أدخل نفسَه في هذا المضيق، لم يختلف الحكم الشرعي من حيث الأصل عند أهل العلم، لكنه هو أدخل نفسه فيما فيه ضيقٌ عليه؛ لأنه لم يلتفت إلا إلى هذه الاستدراكات: استدراكًا بعد استدراك، واستثناءً بعد استثناء، وإذا به يدخل نفسه.
أقرب مثال للتوضيح ما يعرفه كثيرٌ من الناس من بقرة بني إسرائيل، فإنهم كان يسؤهم ذبحُ بقرةٍ كما أمرهم موسى عليه السلام دون الإيغال في تبيين صفاتها، لكنهم شدَّدوا على أنفسهم فشدَّد الله تبارك وتعالى عليهم.
الآن نجد كثيرًا من العبادات –ولعلَّكم من أكثر الناس معاناةً في هذا البرنامج من هذا النوع من الأسئلة– بالفعل حينما تأتون لفرز الأسئلة تجد أن كثيرًا من… على سبيل المثال الآخر نعطيه من أحكام الصيام، فيما يتعلق ببلع الريق، كم من الأسئلة التي تصل إلينا في هذا الباب؛ فالجواب العام لا يكفي كثيرًا من السائلين؛ فيأتي ويقول: لكني فعلتُ كذا، لكني كنتُ أجمع، لكني تعمَّدتُ، لكني… وكأنه يريد ذلك الجواب الذي يُلزمه بالقضاء.
فهذا النوع هو الذي يمكن أن يكون في دائرة النهي عن كثرة السؤال.
أمَّا ما يتعلق بذات التشريع، فإن لتبيين الأحكام الشرعية، أو لتبيين حكمٍ شرعيٍّ لنازلةٍ جديدة، منهجًا علميًّا رصينًا لا صلة له بإلحاح الناس وبكثرة سؤالهم عنه؛ فعند أهل العلم، لأنهم يسيرون على منهجٍ علميٍّ استنباطيٍّ اجتهاديٍّ بميزانٍ دقيق، فلا يصحُّ لهم أن يدفعهم إلحاح الناس إلى التشديد عليهم، ولا أن يدفعهم أيضًا إعراض الناس إلى الإغلاظ أيضًا؛ فعليهم أن يتحرَّوا المنهج الاستنباطي العلمي الصحيح في بناء الأحكام الشرعية بعيدًا عن هذه المؤثِّرات الخارجية.
لكن –كما قلت– في نازلةٍ معيَّنة قد يكون سائلٌ من السائلين يدفع نفسَه دَفْعًا إلى أن يلِج في مضيق، أن يدخل فيما فيه حرجٌ في دين الله تبارك وتعالى، وأن لا يقتصر على الواسع من دين الله عز وجل والإجابة العامَّة.