⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ينبغي –بل يجب– أن يُنظر في الظروف والأحوال التي دعت المفتي إلى أن يسرد الأقوال دون ترجيح؛ فلا يمكن إطلاق القول بأنه حينما يذكر أقوالًا في مسألةٍ ما أن هذا يعني السماح للمتلقِّي أن يختار أيَّ الأقوال شاء، هذا لا يقول به أحدٌ من أهل العلم، وينبغي –بل يجب– الحذر من مثل هذا؛ إذ قد يكون سردُه للأقوال مراعاةً للمتلقِّي، فليس ذِكْرُ الترجيح مناسبًا في ذلك الموضع لعموم المتلقِّي؛ لأن فيهم من يُحسن التلقِّي، وفيهم من يسيء استعمال الفتوى، فيراعي المفتي هذا الأمر، يراعي أحوال المتلقِّين.
قد تكون المسألة –على سبيل المثال– ممَّا يستدعي الترخيص، والفقه الإسلامي يتسع للرخصة الشرعية في عموم هذه المسألة، لكن المفتي يراعي غيره أيضًا من غير ذلك السائل، يراعي غير السائل؛ لأنهم يجنحون دائمًا إلى القياس على تلك الرخصة، مع أن الرخصة إنما هي استثناءٌ لظروفٍ وأحوالٍ تكتنف مسألة ذلك السائل دون من سواه، فيعرض عن ذِكْر هذه الرخصة حتى لا يقيس الناس عليها.
وأحيانًا قد يكون السياق سياقَ تعليميٍّ لا ترجيح؛ فالحقيقة أن الكثير من هذه البرامج –التي هي برامج إفتاء مباشر– هي أقرب إلى التفقُّه والتعليم منها إلى حقيقة الفتوى؛ لأنها تتناول قضايا من عموم البلوى، ولأنها تستهدف تفهيم الناس وتبيين الأحكام الشرعية لهم، ولأنها في كثير من الأحوال تريد أن تُبيِّن سَعَة هذه الشريعة، ولأن الجمهور في الغالب متنوع المذاهب، فيراعي المفتي ذلك حتى لا يدخل حرجًا على أهل مذهبٍ يقلِّدون إمامًا مجتهدًا وله أدلته، فيُدخِل عليهم حرجًا، أو يمكن أن يُدخِل الناس في مضائق ما يُعرف بالبلبلة المذهبية.
إذًا هناك الكثير من الأحوال التي تُراعى، لا سيما في مثل هذه البرامج، وكذا الحال بالنسبة إلى قاعات الدروس والمحاضرات، أو إلى الدروس والمواعظ التي تُلقَى في الجوامع والمساجد، فالذين يشتغلون بالعلوم الشرعية يراعون هذه الأحوال كلها.
فلا يمكن أن يُقال بأن الإعراض عن ذكر الراجح إنما يعني ترك الأمر إلى المتلقِّي ليختار أيَّ الأقوال شاء؛ هذه مسألةٌ تُضبَطها أيضًا ضوابط شرعية؛ فإن كانت المسألة تستدعي أن يتبيَّن الراجح من الأقوال، فعليه أن يتبيَّن، عليه أن يسأل.
وإن كان العالم لا يرجِّح قولًا، فهل المتلقِّي أهلٌ لأن يُميِّز بين هذه الأقوال، عنده من الملكات ما يسمح له بأن يأنس إلى قولٍ منها أكثر من غيره، وأن يرجِّحه على ما سواه من الأقوال؟ إن كان أهلًا لذلك فحيَّهَلًا، لكن إن كان خلوًّا ممَّا يسمح له بالتمييز بين الأقوال وأدلَّتها ومستندها ومآخذها، والقواعد التي بُنِيَت عليها، فلا أظنُّ أن أحدًا يُخولُه سلطةً مطلقة لأن يختار ما شاء من الأقوال.
ماذا يفعل إذًا في هذه الحال؟ لابد أن يتبيَّن القول الراجح.
نعم، يمكن في بعض الأحوال –عند طائفةٍ من أهل العلم– أن يأخذ بقول الجمهور، لكن هذا ليس على إطلاقه، ويمكن له أن يأخذ بقول الأكثر إن لم يكن بقول الجمهور.
لكن فيما يتعلق بالضعيف المقلِّد، فإن عليه أن يتحرَّى القول الراجح؛ في هذه الحالة عليه أن يتبيَّن، أن يسأل عن القول الراجح لاحتياجه في مسألةٍ واقعة، في نازلةٍ بعينها؛ وحينئذٍ يُعطَى الجواب في نازلته تلك، في الواقعة التي يسأل عنها تحديدًا.
والله تعالى أعلم.