⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
الجواب أن الحكمة من تكرار قول الله تبارك وتعالى في سورة الرحمن ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ هي ذات الحكمة التي وُجدت في اللغة العربية أسلوبًا من أساليب البلاغة والبيان لمعاني التكرار، وكلها تدور حول التوكيد والتقرير.
وهذا المعنى أو هذه الحكمة هي الملحوظة في سورة الرحمن؛ فإن المقصود هو توكيد معاني الدعوة إلى شكر الله تبارك وتعالى والاعتبار بالنعم التي أولاها للثقلين الإنس والجن، وهما المخاطبان في التثنية في هذه الآية الكريمة، وتقرير هذه النعم بحيث تكون واضحة راسخة بينة.
وهناك معنى آخر يستند إلى مقولة أيضًا عند العرب بأن التكرير يراد منه البلاغ والإشباع، والمقصود من ذلك ما نعرفه نحن اليوم باللغة المعاصرة بتفكيك الصور؛ فيراد لهذه النعم المذكورة في سورة الرحمن أن تُستحضر صورةً صورةً، لا أن يُنظر إليها على جهة الإجمال والمجموع، وإنما أن يُنظر إليها وأن يقف عندها المخاطب صورةً صورةً، فيقف عند معانيها ويتدبر فيها ويستحضر معاني الشكر، كما أن التكرار أو التكرير هذا يدعوه إلى أن يحذر من عواقب الجحود والكفران.
ولذلك فإن هذه المعاني جميعًا موجودة في هذا التكرار: التقرير والتوكيد، تفكيك هذه الصور من أجل البلاغ والإشباع، إشباع المعنى لدى المتلقي السامع، وهي تحمل في ذات الوقت التوبيخ لمن يجحد ويكفر.
وفي سورة المرسلات في قول الله تبارك وتعالى ﴿وَيْلٌ يَوْمَئِذٍ لِلْمُكَذِّبِينَ﴾ فإن التكرار يراد منه أيضًا توكيد المعنى، ولا ريب أن المعنى الواضح هنا هو معنى الوعيد والتهديد، فيراد تأكيده أيضًا وتقريره لدى المتلقي بأن الأمر جد، وأن ما يُذكر مما يتعلق بالحساب ويوم القيامة والفصل بين العباد وما يحصل بعد ذلك يُراد الوقوف عنده والحذر منه والاستعداد له.
فإذا أضفنا المعنى السابق المتعلق بالبلاغ والإشباع، فإن البلاغ هو ما تقدم من أمر التوكيد لمعنى التهديد والوعيد، والإشباع أيضًا يراد تفكيك هذه الصور بحيث يقف عندها المتلقي صورةً صورةً وموقفًا موقفًا يتأمل فيها ويتدبرها، ولا ينظر إليها باعتبار مجموعة فقط. هذا والله تعالى أعلم.
﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾ المقصود بهم الإنس والجن؟ المقصود بهم الإنس والجن، وهذا غير مشكل في سائر سورة الرحمن، وإن كان قد استشكله بعض العلماء في أول آية ﴿فَبِأَيِّ آلَاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ﴾، لكن الصحيح أن الجانَّ في قول الله تعالى: ﴿وَالْأَرْضَ وَضَعَهَا لِلْأَنَامِ﴾ [الرحمن: 10] فهنا جاء أول ذكر… وبعد هذه الآية الكريمة ورد أول ذكر، وأما ما سوى ذلك فالخطاب أحيانًا يتجه إلى الثقلين، وقد نص الله تبارك وتعالى على ذلك في سورة الرحمن.
إنما بعض المفسرين حمل الخطاب للمفرد، قالوا: المألوف في العربية أن يُنادى المفرد نداء المثنى، كقول الشاعر:
قِفا نَبْكِ مِنْ ذِكْرَى حَبِيبٍ وَمَنْزِلِ
فأنزل المخاطب منزلة المثنى، لكن هذا لا حاجة إليه؛ لأن السياق القرآني لا يدل عليه، وإنما يدل على ما تقدم.
… وما ورد في سورة الرحمن يدعو إلى ما هو أعمق وأبعد، وقد أشار بعض المفسرين – وهم قليل من المتقدمين وعدد لا بأس به من المتأخرين – إلى هذا المعنى، وهو هذه الزوجية في سورة الرحمن بين عالم الإنس وعالم الجن، ولأن هذه اللذات المذكورة في سورة الرحمن من المفهوم الطبيعي أن تكون لذات للإنس، لأنها مألوفة في حياتهم، لكن نظرًا لأن عالم الجن هو من عالم الغيب فقد لا يبدو ذلك مفهومًا، لكن ما ذكره الله تبارك وتعالى من نعيم وما أعده في الجنان وأنواع الجنان وما يتلذذ به ساكنوها ليشمل الثقلين الجن والإنس، وكذا الحال في الخطاب في استحضار النعم، وفي التذكير بالنعم والدعوة إلى شكرها.
هذا يعني أن عالم الجن أيضًا يستمتع بما يستمتع به الإنس، ولذلك خلص بعض المفسرين إلى أن هذه العلاقة الزوجية بين الإنس والجن علاقة تكامل في الوجود، وهذا غير بعيد؛ لأننا نجد في مواضع شتى من كتاب الله عز وجل مثل هذا التزاوج – ونقصد بالتزاوج المعنى اللغوي له – يقال على سبيل المثال: الظل والحرور، الحر والبرد، هذه أزواج في اللغة، أزواج بمعنى التقابل، فالمعنى أبعد من هذا.
هل هناك أيضًا أزواج للجن؟ ووُعِدوا بما وُعِد به الإنس أيضًا؟ هذا ما يظهر من الآية الكريمة، لكن المعنى لا يقف عندها بل يشمل قراءة السورة بكل ما ورد فيها. والله تعالى أعلم.