⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
أما بعد، فإن الذي يظهر من تكرار اسم الرحمن في سورة مريم حتى في المواضع التي فيها إغلاظ ووعيد، هو أن السورة في مجملها أتت للتأكيد صفة الرحمة من صفات الله تبارك وتعالى.
في بداية السورة: ﴿ذِكْرُ رَحْمَتِ رَبِّكَ عَبْدَهُ زَكَرِيَّا﴾، ثم يتكرر اسم الرحمن ست عشرة مرة، وأكثر السور التي ورد فيها هذا الاسم الجليل من أسماء الله تبارك وتعالى للجلال والإكرام هي سورة مريم، فروح السورة يفيض رحمة وتَرَفُّقًا حتى في ألفاظها، ولذلك ناسب أن يكون اسم الله عز وجل الوارد في السورة إنما هو اسم الرحمن.
ثم إن الرحمة حينما تُضاف إلى الله تبارك وتعالى تدل على عظيم قدرته سبحانه، ولذلك نجد أن في السورة ما هو مستغرَب كما يقول الإمام البِقاعي في تفسيره؛ يقول بأن ملازمة وصف الرحمة لله تبارك وتعالى في سورة مريم دليل على عظيم قدرته، أي إن الرحمة دليل على عظيم قدرته التي جاءت بما هو مستغرَب؛ فولادة عيسى عليه السلام من أمه مريم العذراء عليها السلام بلا أب، وأن يهب الله تبارك وتعالى زكريا وقد بلغ من الكِبَر عتيًّا أن يَهَبَه ولدًا، أحداث السورة فيها الكثير مما هو مستغرَب، لكن من رحمة الله عز وجل بعباده جعل ذلك المستغرَب ممكنًا واقعًا.
ولهذا فحين العتاب على المشركين فإنه يُبيَّن أنهم ما استحقوا العذاب إلا وقد بلغوا الغاية، وأُقيمت عليهم الحجة، واستُنفِدت كل أسباب الهداية والرحمة والتَّرَفُّق بهم، فكان ذلك أدعى إلى التبكيت والتنكيل بهم، ولذلك عُبِّر بالعِتِيّ.
ووصف الرحمن أو اسم الرحمن مقترن كثيرًا بلفظ الجلالة (الله)، وهو من حيث معناه يدل على ثلاثة أمور، أو ثلاثة معانٍ:
أولًا: يدل على المبالغة وتمكُّن الوصف، أي عظيم الرحمة منه جل وعلا، ورحمته سبحانه تدل على الرفق والتربية والعناية والرعاية بأبلغ معانيها وأسمى دلالاتها، فسواء كانت صيغة مبالغة أو صفة مشبهة فكلها تدل على تمكُّن الوصف وعلى المبالغة وعظيم تمكُّن الوصف بهذا الاسم.
ثانيًا: أن الرحمة –بحسب كل موقف– متنزِّلة حالًّا في ذلك الوقت، على خلاف وصف (الرحيم)، فهو متصف بها على الديمومة؛ فقد يغضب الحليم، لا ينفي عنه ذلك صفة الحِلم، لكنه لسبب في موقف ارتفع عنه الحِلم واستُبدِل به غضب أو غير الحِلم؛ فإذا حيثما ورد هذا الاسم الجليل دلَّ على رحمةٍ متنزِّلة حالَّة في ذلك الموقف.
ثالثًا: أن هذه الرحمة لا تتسم بالديمومة، وإنما هي وصف حال، وصف نازل أو متنزِّل حال في ذلك الموقف؛ فبحسب ذلك الموقف، إن كان عارضًا فكذلك الرحمة مناسبة لذلك الموقف، وإن اتسمت بشيء من المدى الزمني فكذلك رحمة الله تبارك وتعالى.
هذه المعاني لائقة بالسياقات التي وردت فيها في سورة مريم، مع أن كثيرين حاولوا وبحثوا، وكل أتى بوجوه كلُّها صالحة، لكن من رأى من المعاصرين –ولعل هذا هو السبب في السؤال لأن بعض ما يُنشَر اليوم يُتداوَل– من رأى بأن (الرحمن) يدل على الشدة، وأنه مناسب لمعاني العذاب والتنكيل، أبعد النُّجعة؛ فلا اللغة تسعفه، ولا الاستعمال القرآني، ولا حيثما ورد هذا الاسم الجليل في كتاب الله عز وجل يشهد له، وما حاول أن يذكره مما استند إليه لا يَرقى إلى أن يكون حجة أو دليلًا. هذا والله تعالى أعلم.