⚠️النصّ أدناه تفريغ نصّي آلي للمقطع؛ المعتمد هو المقطع المرئي عند أيّ اختلاف
ورود قصة موسى عليه السلام كثيرا في كتاب الله عز وجل مقارنة بقصص غيره من الأنبياء والمرسلين، لوجوه عدة:
منها: أن من واجههم موسى عليه السلام من فرعون وملئه، ومن قومه من بني إسرائيل، هم من أكثر الناس قسوة قلب، واستكبارا في الأرض، وتعنتا وعنادا؛ فإن نجحت دعوة موسى عليه السلام فيهم، مع ما واجهوه به من التعنت والظلم والبغي والإعراض والفتن، وما سألوه إياه، فإنها في حق محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وهذه الأمة، أكثر اتضاحا بنجاحها، وبلوغها إلى الخلق، وتحقيقها لغاياتها؛ وفي هذا طمأنة لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وتثبيت، بأن دعوته ستُتلقَّى بالقبول، وستجد من يُقبل عليها، ويأخذ بها، ويتمسك بها، وينشرها في الأرض.
ومن هذه الوجوه أيضا: أن هذه المواقف التي تعرض لها موسى عليه السلام هي أكثر المواقف التي تعرض لها نبينا محمد صلى الله عليه وآله وسلم، وستتعرض لها أمته من بعده؛ فحينما يتبيَّنون المنهج القويم في التصدّي لهذه الفتن والصعاب التي يمكن أن يواجهوها، مما ورد في قصة موسى، فإن ذلك يُمكِّنهم بفضل الله تبارك وتعالى من أخذ العظات والعبر والدروس لمواجهة المواقف المشابهة لما حصل في زمن موسى عليه السلام ومعه، وبينه وبين قومه.
ومن هذه الوجوه أيضا: أن تكرار بعض المشاهد، أو بعض الصور التي كانت في سيرة سيدنا موسى عليه السلام، يُعرَض في كتاب الله عز وجل على ما أشبهه من مواقف تتعرض لها دعوة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم؛ ولذلك نجد أنها تتكرر، وبعض العلماء يقول: إن من الوجوه أيضا أن دعوة سيدنا موسى عليه السلام انتشرت، وكان أنبياء بني إسرائيل كثيرين، وآخرهم عيسى عليه السلام، فهم أقرب عهدا بالدعوة المحمدية؛ هم الأنبياء والرسل عليهم الصلاة والسلام الذين بُعثوا إلى الأمم والأقوام السابقين على أمة محمد صلى الله عليه وآله وسلم؛ فكان الأَحْرى أن يُنظر في أحوالهم، وفي أحكامهم، وفي مِلَّتهم وشريعتهم، وفي مواقفهم من أقوامهم؛ لأنهم أقرب عهدا وأكثر انتشارا.
ولذلك تفرع من هذا وجه آخر، وهو: أن يكون ما سيلاقيه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من محاجة ينقسم إلى قسمين: محاجة تكون من أهل الشرك والأوثان، ومحاجة تكون من أهل الكتاب؛ ولذلك فنجد في محاجة أهل الشرك البراهين العقلية، والدعوة إلى النظر والتأمل والبحث والتفكر، وإقامة الحجج العقلية، وضرب الأمثال والقصص التي يعهدونها ويعرفونها، والمحاجة والمحاورة التي هي من هذا النوع.
أما ما يتعلق بأهل الكتاب، القسم الثاني، فإن اعتراضاتهم يكون الرد عليها بما عهدوه من تاريخ النبوات والرسل عليهم الصلاة والسلام، وما أصاب الأمم البائدة والأقوام، مما يعرفونه، مما هو موجود في كتبهم، أو تناقلوه مما يعرفونه من تاريخ النبوات والرسل؛ فكان ذلك أَدعى إلى إقامة الحجة عليهم، وإلى مناظرتهم، وإقامة البراهين عليهم، مما عهدوه من تاريخ أنبيائهم ورسلهم.
فكانت الحاجة أشدَّ إلى تعريف رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بهذه المواقف، وبما تعرض له موسى عليه السلام مع قومه من بني إسرائيل، وبتاريخ النبوات في بني إسرائيل، ويعني: التعرف على بعض أماكنهم، وعرض القصص بوجوه مختلفة، وكشف ما يُخفونه، مما يعلمه أحبارهم ورهبانهم، وإظهار التناقضات فيما يُظهِرونه، وكشف مؤامراتهم؛ فكل ذلك كان أدعى لإقامة الحجة لهم دعوةً لهم إلى الخير، وكشفا للتزييف الذي كانوا يرسمونه على دعوة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم.
هذه هي أهم الوجوه، هناك تفريعات كثيرة يمكن أن تؤخذ من سر تكرر قصة موسى عليه السلام مع قومه ومع فرعون في كتاب الله عز وجل؛ منها على سبيل المثال: أن الدعوات في الغالب تُقابَل بأصحاب سلطة، وأصحاب مال، وأصحاب كهنوت، ورجال إعلام؛ فقصة موسى عليه السلام -يعني يُقصد بها الإعلام الذي دعتنا إلى التبسم ما يتعلق بالحشد الجماهيري- ونحن نجد في قصة موسى هذه الأطراف ماثلة؛ نجد فرعون وحاشيته المتمكنة المتسلطة، ونجد قارون الذي أوتي الأموال وسخرها في الصد عن سبيل الله تبارك وتعالى، ونجد سحرة فرعون الذين يمثلون الكهنوت الديني، والتسلط على غيرهم واستعباد الغير، ونجد الجماهير التي تنساق وراء كل متغلب منتصر.
فهذه الصور تُعرَض في كتاب الله عز وجل؛ لأن دعوة نبينا محمد صلى الله عليه واله وسلم ستواجه هذه القوى والطواغيت، وستواجه هذه الأنواع من الطغيان؛ فعرِّف رسولُ الله صلى الله عليه وسلم بهذه الحقائق، وعُرِّفت أمته، وكُشِفت لها هذه الحقائق، فاستدعى ذلك أن تتكرر سيرة سيدنا موسى عليه السلام كثيرا في كتاب الله عز وجل.
الحاصل أن القضية هذا ملخص لها، لكن فيها الكثير من المعاني الحسنة المقبولة يمكن أن تُوجد في مَظانِّها.
والله تعالى أعلم.